ألا يستحق الوزير أوزين الإعفاء؟

فجرت مهزلة ملعب مولاي عبد الله نقاشا صاخبا في مواقع التواصل الاجتماعي وفي الصحافة الوطنية والدولة. كما أن عدد كبير من القنوات الفضائية المهتمة بالشأن الرياضي الدولي، خصصت تقارير اعلامية لاذعة وساخرة عن الحالة التي أصبح عليها الملعب، الذي كلفت عملية صيانته واصلاحه، 22 مليار سنتيم من أموال دافعي الضرائب في المغرب، بعد ساعات فقط من تهاطل أمطار الخير والنماء بحسب تعبير رئيس الحكومة السيد عبد الإله ابن كيران.

من أهم المطالب التي عبر عنها جزء كبير من الرأي العام والصحافة  بعد هذه الفضيحة، اعفاء وزير الشباب والرياضة في حكومة العدالة والتنمية الذي رفع شعار محاربة الفساد في الاستحقاق الانتخابي ليوم 25 نونبر 2011 من مهامه الحكومية، وفتح تحقيق قضائي، لتحديد المسؤولية عن تبديد 22 مليار من المال العام في صفقة لم تخضع للمراقبة، على اعتبار أن المسؤولية السياسية للوزير أوزين ثابتة.

المطلب الذي يمكن أن يظهر للبعض مستحيل، أو غير واقعي، بالنظر إلى طبيعته السياسية المعقدة، والتي ترتبط بمصير التحالف الحكومي الهجين، هو في الواقع مطلب دستوري، والفصل 47 من دستور المملكة الجديد، يشكل أساسه الدستوري المتين.

لقد جاء في الفصل 47 من الدستور ” للملك، بمبادرة منه، بعد استشارة رئيس الحكومة، أن يعفي عضوا أو أكثر، من أعضاء الحكومة من مهامهم”. كما ورد فيه أيضا ” لرئيس الحكومة أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر، من أعضاء الحكومة” وفي مستوى ثالث ” لرئيس الحكومة أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر، من أعضاء الحكومة، بناء على استقالتهم الفردية أو الجماعية.

استنادا للمقتضيات الدستورية الواردة في هذا الفصل من الدستور، لا شيء يمنع الملك، باعتباره الممثل الأسمى للدولة، ولا السيد عبد الإله ابن كيران، بصفته رئيسا للحكومة، من اعفاء الوزير محمد أوزين من مهامه الحكومية كوزير للشبيبة والرياضة، بسبب فضيحة ملعب مولاي عبد الله، التي أساءت كثيرا لوجه الرياضة المغربية وحولت البلاد إلى أضحوكة في وسائل الإعلام الدولية والوطنية وشبكات التواصل الاجتماعي.

 

من حيث الأساس الدستوري، مسألة الإعفاء واردة جدا، لكن السؤال المطروح هو: هل يمكن للملك أن يتركلرئيس الحكومة زمام المبادرة فيما يتعلق بطلب اعفاء الوزير أوزين في حالة ما إذا كان السيد رئيس الحكومة قد فكر في هذا الأمر الذي يدخل في ضمنصلاحيته الدستورية بكل تأكيد؟
من الصعب جدا الإجابة بشكل مباشرعلى مثل هذا السؤل. لا أحد يعرف كيف سيكون رد فعل رئيس الدولة تجاه هذه الفضيحة، لكن، ما هو شبه مؤكد، أن الأعراف والتقاليد المرعية في المملكة،غالبا ما تسيد قرارات المؤسسة الملكية، ولا تسمح بترك زمام المبادرة للحكومات، التي تشتغل في إطار التوجيه الملكي، وهذا ما يقر به رئيس الحكومة في أكثر من مناسبة، عندما يصرح بأن الملك هو من يحكم في المغرب وبأن الحكومة تقوم فقط بتنفيذ قراراته وتوجيهاته.

الهندسة الدستورية لدستور 2011 محكومة بترتيبغير عشوائي للصلاحيات الدستورية التي تتمتع بها كل  المؤسسات الدستورية في البلاد.  واللجنة الملكية التي تكلفتبصياغة الوثيقة الدستورية أخدت بعين الاعتبار هذا الترتيب أثناء تبويبها للدستور وترتيبها لفصوله.

رغم ذلك، فإن ترتيب فقرات الفصل 47 من الدستور، لا يلغي حق رئيس الحكومة المغربية في أن يطلب من الملك اعفاء أي عضو من أعضاء الحكومة سواء بمبادرة منه أو بناء على استقالة فردية أو جماعية لأعضاء الحكومة. النتيجة في آخر المطاف ستظل مرتبطة بما سيقرره الملك بوصفه رئيسا للدولة.

هل يستطيع رئيس الحكومة مادام أن الوزير أوزين لن يقدم استقالته أخد زمام المبادرة للتقدم إلى الملك بطلب اعفائه من مهامه الحكومية بسبب فضيحة ملعب مولي عبد الله التي أضحكت فينا العالم؟

بالنظر لعدة معطيات،يتداخل فيها الثقافي بالسياسي والقيمي بالأعراف والتقاليد المرعية، لا يستطيع رئيس الحكومة، التقدم إلى الملك بطلب اعفاء أي عضو من أعضاء الحكومة، مهما كانت طبيعة الفضائح السياسية أو المالية أو الإدارية التي تحدث في الدولة.

الرجل يدرك تمام الإدراك أن قرارا سياسيا من هذا الحجم أكبر من طاقته بكثير. كمايعلم بأنه يقود تحالف حكومي هجين، تشكل الحركة الشعبية التي ينتمي إليها الوزير محمد أوزين، أهم أعمدته من الناحية العددية وليس السياسية.

فمن المستحيل على رئيس الحكومة، عبد الإله ابن كيران، أن يركب مغامرة التقدم إلى رئيس الدولة ” الملك” بطلب اعفاء الوزير أوزين، الاّ، إذا تلقى إشارة الضوء الأخضر من الملك الذي يحق له اعفاء أي عضو من اعضاء الحكومة. في هذه الحالة، سيكون رئيس الحكومة في وضع مريح، لأنه سيواجه حليفه الحركي في الأغلبية الحكومية، بقرار ملكيويدخل ضمن صلاحيات الملك الدستورية التي لا يمكن لأي جهة كانت معارضتها.

هل يمكنلملك البلاد بوصفه الممثل الأسمى للدولة أن يستجيب لطلب اعفاء وزير الشبيبة والرياضة محمد أوزين من مهامه الحكومية بعد أن فجر المطر فضيحة ملعب مولاي عبد الله؟

إذا لم يكن ممكنا محاكمة الوزير أوزين سياسيا ودستوريا من خلال اعفائه من مهامه الحكومية استنادا إلى الفصل 47 من دستور المملكة فإحالة القضية على القضاء هي أضعف الإيمان، لتكريس ربط المسؤولية بالمحاسبة،ولوضع حد لحالة التسيب في تدبير شؤون البلاد، ولحماية المال العام للمغاربة من التبديد في مشاريع وصفقات لا تخضع للمراقبة من طرف مسؤولين يتقاضون رواتبهم من أموال دافعي الضرائب.

ردود فعل الوزير أوزين تجاوزت حدود المسؤولية السياسية في التعاطي مع انتقادات الرأي العام الذي تحول إلى طابور خامس، وكأن  ما حدث في ملعب مولاي عبد الله، من مشاهد كاريكاتورية لا يمس بسمعة البلاد في الخارج قبل الداخل. وإذا كان الوزير الحركيلا يرى في المنتقدين لسياسته الفاشلة لقطاع الشبيبة والرياضة، الاّ، مجموعة من المشوشين فماذا سيقول للصحافة الدولية التي مرغت وجه الرياضة المغربية في الوحل؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.