أعدك أماه… لن نترك الأمل ينفلت من أيدينا

آنذاك كنت منكبا مع بنتيّ لميس ولينا على انجاز مهمة تنتظرنا منذ مدة ألا وهي تدبير وترتيب السفر وجهة البرتغال لأجل تمكينهما من المشاركة في البطولة الاوروبية للكاراطي ..
ذكرت اسمهما وقلت لهما مع تحفظ شديد: لدي امنية في ان تحرز، على الاقل، واحدة منكما مكانة فوق منصة توزيع الجوائز، واذا ما تحقق هذا فعلا فلدي لكما طلب آخر ..

ثم توقفت عن الكلام والتزمت صمتا موجها ومقصودا..
مثل هذه اللحظات من الصمت التي تترك كفراغ في المحادثات بين الكلام والكلمات، غالبا ما تكون ذهبية حقا اذا ما أحسن توظيفها واستغلالها.

لما طال الصمت دون ان أجني شيئا ترقبته وان كنت لا اعرف ماهو. قررت ان التقط خيط المحادثة واواصل ، لكن قبل ان أحرك شفتي، كانت لميس قد بادرت الى تكسير جدار الصمت وتدخلت وكأنها حدست ما جال في خاطري : لكن يا ابي، ان هذه البطولة ليست كالبطولات الأخرى، لها قواعدا صارمة ولا يسمح لاي كان في ان يرفع راية أخرى من غير راية البلد الذي يمثله.
– وهو العلم الهولندي، قالت الصغيرة لينا وتابعت لينا لتؤكد حضورها وتعزز مشاركتها في الموضوع:
– وأيضا لا يسمح لأحد ارتداء أقمصة أخرى من غير اللباس الرسمي للمدرسة التي تنتمي اليها…

كان حدس لميس قريب من أمنيتي التي لها صلة بالموضوع رغم اني لم استوعب كيف لها ان تتوفق بالحدس وتقترب جدا الى فهم ما كنت ألمح اليه في كلامي ..

شخصيا تلك اللحظة كنت أفكر فقط في أمنا عالية.. تلك الأم التي بحجم الوطن.. رمز التضحية والصمود، رمز الحكمة والمروءة وأكثر مما استطيع ان أذكره هنا..

قالت لي صديقتي في مساء ذلك اليوم بعدما قرأت مسودة النص وانا لم استطع حتى مراجعة ما كتبت على سبيل عدم الرضى ربما :
– لماذا دائما تركز بين الامهات جميعا بالتحديد على أم نبيل؟
– لا أستطيع التركيز عن أخريات وانا لا اعرفهن.. ام نبيل لدي معها صلة وقصة وامتلك كامل الحرية ان اكتب ما اريد دون حساسيات او تحفظات..
– لكن… تعرف أم الزفزافي مثلا.
– ام الزفزافي لا اعرفها، التقيت بها مرتين لكن لم يكن هناك أكثر من تبادلها التحية وإسماعها للدعوات.
– وماذا عن أم ذلك الشاب المفتول العضلات من حي مرموشا وكان دائما بجنب الزفزافي .. ما اسمه ؟
– جمال مونا ؟ (….)
– وماذا عن الأخريات؟
– أظن انني استطيع فقط ان أكتب عن أم ربيع الأبلق، لكن معرفتي بها ليست بالحجم الذي يمنحني المادة للكتابة اضافة الى شروط أخرى لا تتوفر.. كذلك اقدر ان أكتب عن بعض زيجات المعتقلين اللواتي اعرفهن، لكن رمزية الامهات تبقى في نظري الأقوى وانا لا اطمح من خلال كتاباتي في هذا الشأن سوى المساهمة في الدفاع عن قضيتنا وإيصال الرسالة الانسانية الى الاخرين.. مع متمنياتي أولا في الحرية وإطلاق سراح شبابنا المعتقل
واستمر الحوار

والحقيقة تقال، فانه قبل ان نجتمع حول موضوع السفر، كنت قد استحضرتها في البال، وهذا ليس بأمر غريب وهي التي احسبها كأمي الثانية.. امنا جميعا…

وأعترف ان لي مصلحة شخصية أيضا باستحضارها، لأني ان فعلت، أكسب كثيرا من الأشياء وأهمها أنني أصير انسانيا أكثر، بقلب في موضعه المائل الى الأيسر، وأستبعد سقوطا محتملا في زلات أو أخطاء وان كانت فقط من صنف الأقوال المجرحة أو التي تحرج .. بواسطتها أقدر ان أمثل أمامي مدى المعاناة والمكابدة والصبر الذي تتحمله عائلات المعتقلين .. بواسطتها تحضر بطريقة ولو غير مباشرة كل الامهات الاخريات .. حتى الزيجات والاطفال، بواسطتها افتح لنفسي نافذة على النبيل ابنها وعلى كل رفاقه في المِحنة التي ألمت بهم وبنا، وعلى القوة والشجاعة والنفٓس الذي يمتلكونها في مقاومتهم للظلم والإجحاف الذي طالهم وطالنا، وعلى الحكمة التي في أيديهم وهم يديرون صراع الحياة ويصنعون لأنفسهم ولنا مسالكا مضيئة من الأمل بين أشواك إكراهات كثيرة..
كنت افكر في امنا الغالية وانا أعِدُّ حصتي التي لم تُستنفذ بعد من ايام العطلة لهذه السنة.. وهي في مجموعها لن تكون كافية للبرتغال حتى..

آخر مرة التقيت بأمنا كانت اثناء زيارة خفيفة قمت بها لأسرتها بداية هذه السنة، اردت فيها القاء التحية وإسماعها من العبارات التي امتلك للتعبير عن مشاعري وعن التضامن معها، لكنها تسمح لي بمغادرة بيتها حتى جالستها لمدة طالت تعرفت فيها على افراد عائلة وانتزعت مني ذلك الوعد :
– وانا أحسبك كإبني فلا بد ان تكون حاضرا معنا عندما يطلق سراح نبيل ومن معه.. لابد ان تشاركنا الفرحة،
قالت وكلها أمل في غد أجمل، سيبشر علينا بالخير ويكون مفعما بالأهازيج والبلسم والربيع والفرح والحرية.

قلت لها مؤكدا:
– ما ان اسمع الخبر سأقطع تذكرة سفر وأكون هنا معكم لأشارككم والحسيمة فرحتها..

ظننت أي اعطيتها الجواب الذي سيجعلها تودعني وتفتح الباب أمامي للخروج، لكنها هزت رأسها كتعبير على أن جوابي لم يقنعها كفاية.. عانقتني كإبنها بكل صدق وحرارة، جعلتني أشعر اني صغير جدا أمام قامتها العظيمة .. وأحسست ببهجة وفخر كبيرين لأن زيارتي لم تكن لتمر دون جدوى.. اتذكر دموعها الصادقة الصافية ترقرق في عينيها عند بداية الزيارة تعبيرا عن الفرح ..وأفشت لي حينها سر الدموع تلك ؛ بأنها حين شاهدتني وكانت تنظر الي، وجدت منفذا لترى من خلالي ما حرمت ظلما وانتقاما من ومن رؤيته كل يوم متجدد: وكأني رأيت ابني نبيل وهو يعود الينا.. وكأنه هو من فتحت له الباب وسرتني رؤيته يدخل البيت أخيرا ويلتحم بنا”

قالت لي:
الحضور والتواجد في الحسيمة ومشاركة الجميع الفرحة والاحتفال.. سيقوم بها الجميع.. انا اريدك ان ترافقنا الى السجن حيث سننتظره هناك أمام الباب ونكون من الأوائل الذين سنعانقه وهو يعانق حريته..

طالما أرغمت نفسي لتصنع في داخلها عجينا يكون مختمرا ويفوح بالامل والأمل.. وحقًا أملت في نهاية سعيدة وقريبة.. بل وضعت مخططا كاملا مع تفصيل كل الخطوات التي يجب ان اقوم بها كي اكون هناك وحاضر ، ذهابا الى السجن … وايابا.. عودة الى البيت وبين احضاننا أنبل شخص انجبه الريف الحبيب : نبيل أحمجيق..

لكن الأحداث والصيرورات فيها كانت تهب في ما لا نشتهي، فصدمنا بالأحكام.. ” بيك_يا_وليدي”… أين تسير..20 عاما يا أجدادي.. 20 عاما.. عشرون عاما سادتي سيداتي..

قبل ان اعرف كم هي الأحكام التي ستوزعها ” العدالة على البراءة انتقاما من حمل مشعل الحرية في ردهات الظلمات في هذه الوطن، كنت متشائما وحزينا.. الأحكام ستكون قاسية مجحفة .. امنية أم نبيل .. امنيتي.. أمنيتكم جميعا.. انها لن تتحقق.. كلمتي التي اعطيتها لها عهدا.. لن تجد فرصة لتتجسد على الواقع .. وسط هذا التشاؤم كانت الحيرة: ماذا سافعل حين تصدر الاحكام وتبلغنا أهوالها ؟

كنت أخطط لسفر مع اسرتي الصغيرة، وفي البال تتزاحم صور أمهات معتقلينا، آباءهم ، زيجاتهم، اطفالهم.. اخوتهم.. أحبابهم .. الريف.. وجميع الاحرار ومن ناصرهم ودافع عن الحق الذي ابتهلوه..
لم استطع التركيز على أي شيء.. حاولت .. لكنه كان مستعصيا هذه المرة ولم افلح، وما كان لي ان أتخلص من بعثرتي، سوى عن طريقة واحدة.. طريقة تجعلني اكسب أشياء وأفوز في الأخير بذاتي.. التجأت اليها مناجيا وداعيا .. فرأيتها .. هاهي تقف امامي .. بسمتها المنشرحة تبتلع كل العبوس والتجهم الذي نال بي.. هاهي أمامي.. منهكة لكن صبورة، كطائر الفينق.. مع كل سقوط أو خذلان، مع كل خيبة أو وعكة.. تنتعش من جديد .. تتقوى ..
هي هناك، واقفة بهامة مرتفعة.. أنظر إلى وجهها الطيب.. أستمد من عينها القوة.. كل القوة.. فأعيد السيطرة على بعثرتي والتحكم في نفسي …
..
وعاد الأمل يتدفق بداخلي… وتقوى مما رأيته من استنكار عارم في بقاع الدنيا، ومن تضحيات يقدمها شعبنا بصمود منبعه لا ينضب…
أعدك أماه… لن نترك الأمل ينفلت من أيدينا.. سنتشبث به الى ان تتحقق أماني هذا والوطن ومطالب من ينتمون اليه.. سأفي بوعدي.. لن أخيب ظنك ولن أخذل كلمتي التي أعطيتها لك.. سنذهب معا ونعانق نبيل وكل رفاقه بأسمائهم.. ستطلق نساؤنا ما يذيب الحجر من الزغاريد.. ونفرح ونحن نشد قبضات بعضنا البعض.. سنفعل… أكيد… عشرون سنة؟ سننسى أمرها.. ولن ننتظر السنين تمر.. سيعانق أبطالنا وفرسان الحرية.. حريتهم… في انتظار حرية الوطن بالكامل..

سأطفأ الآن الشاشة والأضواء، وأترك جفوني تطبقان على مهل، حالما ينهك العين… التحديق الناري المليء بالتحدي والمقاومة في وسط الظلام وهما موصوبتان على عين العتمة…
سنطبق الجفون ولن تنام العين… سنحزن، نعم، لكن لن نترك بريق الأمل يفر من أحداقنا ولو..
سأفي بالكلمة .. ولنا مع ابطالنا… ومع حريتهم .. لقاء…. عما قريب.. عن قريب… عن قريب.. بعد البطولة الاوروبية* … بربيع

*:في حالة الفوز بجائزة، فسيتم إهداء الفوز الى أمنا عالية نيابة.. وهذا كان طلبي من بنتيّ..

 

محمد السقفاتي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.