أضواء على كتاب” الحركة التلاميذية بامزورن بين المسار والإنكسار”*

 مدخل 

يندرج كتاب ” الحركة التلاميذية بامزورن بين المسار والإنكسار” لمحمد بلمزيان الذي صدر مؤخرا،  ضمن الكتابات التي تتخذ من الذاكرة الجماعية موضوعا لها ، إذ يقارب فيه تجربة الحركة التلاميذية التي عرفتها إمزورن في ثمانينيات القرن الماضي ، وهي تجربة غنية ومريرة امتدت لعقد من الزمن ، وما تزال بعض آثارها حاضرة إلى اليوم ، وخاصة عند الجيل الذي ساهم فيها، والذي يعد صاحب هذا الكتاب واحدا من المنتمين إليه.

 طبعا تشكل هذه التجربة ، بانتصاراتها وانكساراتها، بنجاحاتها وإخفاقاتها، إحدى صفحات النضال الشعبي ضد سياسة المخزن المغربي بشكل عام ، وسياسته التعليمية بشكل خاص في زمن ما أصبح يعرف ب”سنوات الجمر والرصاص”. كما أن هذه التجربة كانت ذات هوية يسارية واضحة، يشهد على ذلك إرثها النضالي ، وطبيعة الثقافة التي كانت سائدة عند مناضلي الحركة التلاميذية وقتئذ.

 وقد تناول الكاتب هذا الموضوع وهو يدرك تماما الصعوبات التي يمكن أن تعترض هذه المحاولة ، أولا لإنصرام أكثر من عشرين سنة عن زمن هذه التجربة ، وثانيا لصعوبة التمييز أثناء الكتابة عنها بين الذاتي والغيري بحكم معايشته لها من الداخل. لكنه أدرك أيضا أن الكتابة عنها أصبحت ضرورة نضالية ومسؤولية أخلاقية لكي لا يطويها النسيان وفاء لكل الذين أدوا الثمن غاليا نتيجة انخراطهم فيها وعلى رأسهم التلميذين الشهيدين ” فريد أكروح” و ” سعيد بودوفت” .

  ولتيسير تقديم هذا الكتاب الذي يصعب تصنيفه، أقترح مقاربة منهجية تقوم على التمييز بين مستويين متداخلين ومتعالقين داخله ويصعب الفصل بينهما ، لأن الكاتب يتكلم عن تجربة جماعية بلسان المفرد، وهما مستوى الشهادة ومستوى القراءة.

  • مستوى الشهادة Témoignage

    في هذا المستوى الأول يقوم الكاتب ب”النزول” إلى الماضي اعتمادا أساسا على  ذاكرته الفردية ليقدم لنا صورا ومشاهد وأحداثا وتجارب عاشها ووشمت ذاكرته خلال هذه المرحلة، وهنا تتحول الكتابة إلى نوع من البوح أو التعبير ( إخراج الضغط  النفسي Expression) يتيح له التخفف من ثقل هذا الماضي عبر تقاسمه مع الآخرين ( القراء). وطبعا فإن أسلوب الكتابة الطاغي في هذا المستوى هو السرد كما لو كان الأمر يتعلق بسيرة ذاتية.

   وهنا نتعرف على جوانب أساسية من حياة الكاتب ، حيث يحدثنا – على سبيل المثال لا الحصر – عما عاشه في المدرسة الإبتدائية “أبو طالب” بامزورن كطفل ، حيث الحضور الوازن للعنف اللفظي والجسدي كأسلوب في التربية ( يستحضر هنا حالة معبرة تتمثل في معلم اللغة الفرنسية الذي كان سببا في انقطاع عدد من التلاميذ عن الدراسة بسبب ساديته المجانية ).كما ينقلنا من خلال حكيه إلى مرحلة انتقاله إلى مرحلة التعليم الثانوي وبداية تفتح أفقه الفكري من خلال تعرفه على ” الثقافة الجديدة ” ممثلة في الإيديولوجيا الإشتراكية التي شكلت ترياقا لمواجهة الواقع المر الذي كان يعيشه بمعية رفاقه. كما يكشف لنا بعض جوانب مساهمته في رسم مسار الحركة التلاميذية ، وأيضا الثمن الذي أداه بسبب هذا الإنخراط ، والمتمثل أساسا في الملاحقات التي تعرض لها والترهيب الذي مس أسرته، ومسلسل إستنطاقه في القيادة ، ثم صدور قرار طرده من ثانوية إمزورن باعتماد أسلوب التنقيل التعسفي ، ثم إعادة تسجيله بثانوية بفاس التي سيطرد منها أيضا بعد إطلاع المسؤولين عليها على ملفه المليء بتهم مفبركة ، وأيضا تعرضه لإعتقال  من أمام بوابة سجن ” عين قادوس” إثر زيارة أخيه المعتقل…وغيرها من اللحظات التي ظلت عالقة في ذاكرته، والتي تكشف حجم معاناة الذات الفردية نتيجة التزامها النضالي وانخراطها في الدفاع عن مطالب بسيطة ومشروعة.

  لكن الكاتب لم يقف في هذا المستوى عند حدود سرد تجربته الفردية ، بل أغنى شهادته بشهادات مباشرة ومكتوبة لرفاق له عايشوه هذه التجربة ، مما شكل قيمة مضافة حقيقية زادت من مصداقية هذه الشهادة وعضدتها ، كما أنارت مساحات أخرى من هذه الذاكرة الجماعية ، واثبتت وجود قواسم مشتركة عديدة رغم اختلاف مسارات حياة كل فرد بعد ذلك. وتبقى مسألة تعمد عدم ذكر أسماء كثير من الفاعلين في وقائع معينة من هذه التجربة وحدها ما يلقي بعض الظلال على هذه الشهادة.

  • مستوى القراءة Lecture

  في هذا المستوى يحاول الكاتب أن يقدم قراءة موضوعية – ما أمكنه ذلك – لتجربة الحركة التلاميذية بامزورن ، أي أنه لم يبق أسير هذا الماضي ، بل حاول “الصعود” إلى الحاضر للحفاظ على مسافة نقدية تجاه هذه التجربة ، وقام بدراستها كظاهرة إنسانية ترتبط بفعل مجموعة بشرية  ( التلاميذ ) كانت تعيش مرحلة عمرية ( الشباب) و في زمان ما ( ثمانينيات القرن الماضي) ومكان ما ( إمزورن).وفي هذا المقام – مقام القراءة – توسل الكاتب أسلوب التحليل في محاولة تفسير وفهم انبثاق هذه التجربة والمسار الذي اتخذته والمآل الذي صارت إليه.

    وهكذا بدأ بتحديد السياق العام الذي شهد ميلاد هذه التجربة الإحتجاجية على الواقع ، والذي من عناوينه الكبرى :استمرار التهميش الممنهج لمنطقة الريف كعقاب من الدولة

بسبب انتفاضة الكرامة سنة 1958 والمتمثل في غياب كل مقومات العيش الكريم و تسييد ثالوث ” الهجرة، التهريب، المخدرات”. تصميم الدولة على التخلي عن تقديم الخدمات الإجتماعية وخاصة في مجالي التعليم والصحة بانتهاج سياسة التقويم الهيكلي. توالي سنوات الجفاف الذي ضرب المنطقة. فشل سياسة ضم الأراضي التي شهدها حوض النكور…هذه وغيرها شكلت أسبابا لحدوث انتفاضة اجتماعية في هذه المنطقة سنة 1984، وزادت من كراهية المواطنين للدولة المخزنية ، وخاصة لدى الفئات المتعلمة.

  أما في السياق الخاص، فقد توقف الكاتب عند شروط التمدرس في ثانوية إمزورن التي شكلت الفضاء المحوري لهذه التجربة . وهنا سجل وجود نقص حاد في التجهيزات الأساسية ( مكتبة ، مختبرات …)، وعدم كفاءة بعض أطر التدريس ( حالة أستاذ الفرنسية البلجيكي الجنسية نموذجا)، والوضع المزري للقسم الداخلي على مستوى المبيت والتغذية ، والأخطر من كل ذلك اعتماد إدارة المؤسسة أسلوب القمع والترهيب في مواجهة التلاميذ ومطالبهم العادلة، وغياب التواصل والحوار معهم بشكل جعل الجو السائد يبعث على الإختناق إذ تنعدم فيه نسمات الحرية.

   في ظل هذه الأوضاع ، وبتفاعل التلاميذ مع المحيط العالمي ( هبوب رياح الفكر الإشتراكي، القضية الفلسطينية …) ظهرت إلى العلن حركة إحتجاجية تلاميذية رافضة وتسعى للتغيير.وقد قدم الكاتب رصدا لمسارهذه الحركة منذ تباشيرها الأولى سنة 1982 التي شهدت أولى الإحتجاجات ، مرورا بسنة 1987 التي ستعرف فيها هذه الحركة ذروتها مع استشهاد تلميذين نتيجة تدخل قمعي شرس استهدف وأد هذه الحركة، وما تلاه من مطاردات واعتقالات وطرد جماعي لنشطاء الحركة التلاميذية. وستعرف الحركة بداية الإنكسار  خلال سنة 1988 بعد مقاطعة بعض المستويات للإمتحانات وما نجم عنها من طرد وتنقيل تعسفي للعشرات من نشطاء الحركة التلاميذية  ، وذلك في إطار سياسة الإجتثاث الشامل لكل فعل احتجاجي داخل الثانوية.

  وبالموازاة مع رصد مسار الحركة ، كشف الكاتب عن أوجه مشرقة لهذه الحركة متمثلة في سيادة علاقات رفاقية رائعة بين التلاميذ مبنية على التضامن ، ثم سيادة ثقافة المسؤولية التي جنبتهم مختلف أنواع الإنحرافات الممكنة وهم يعيشون مرحلة المراهقة ، ثم تشجيع الإجتهاد بينهم والإقبال على القراءة من خلال تدوال الكتب التي تنشر ثقافة مضادة ومقاومة أكسبتهم مناعة وصقلت شخصيتهم في مواجهة بؤس الواقع.ولم يقف الكاتب عند هذا الحد بل سعى جاهدا الى إبراز بعض الجوانب السياسية والثقافية للحركة التلاميذية ونوع القيم التي كانت تدافع عنها، وايضا حاول رسم التصور العام الذي كانت تتحرك في إطاره. وخلص في الأخير أن هذه الحركة الحقوقية والمطلبية كان لها دور أساسي  في انبثاق عمل سياسي وجمعوي ملتزم لاحقا ، ودعا إلى صون ذاكرة هذه الحركة وإرثها النضالي.

  خاتمة

كان هدفي من خلال تسليط هذه الأضواء على بعض جوانب هذا الكتاب، الذي اتخذ كموضوع له تجربة الحركة التلاميذية بامزورن، هو دفع القراء إلى الإطلاع على مضامينه كاملة ، ثم تشجيع الكاتب محمد بلمزيان الذي تجشم عناء الخوض في هذه التجربة رغم الندوب النفسية التي تركتها عند كثير من الفاعلين فيها، للتأكيد على أن الحركة التلاميذية بامزورن كانت على صواب – رغم فداحة الضريبة التي أداها كثير من أعضائها – عندما دقت ناقوس الخطر للتنبيه إلى السياسة المفلسة والكارثية المتبعة في مجال التعليم من أجل “خلق جيل من الضباع “( التعبير للراحل محمد جسوس) لا يقرأ ولا يناقش ولا يحتج ، ويرى الظلم عدلا والتخلف تقدما والمخزن ديمقراطية. ثم جعل الأجيال الشابة تدرك من خلال إطلاعها على هذه التجربة حجم البون الموجود بين الحلم والواقع، وتستفيد من الأخطاء التي حصلت في هذه التجربة – والتي كان للكاتب جرأة الكشف عن بعضها – والتي أجهضت وتكسر الحلم الذي راود الفاعلين فيها نتيجة القمع الشديد والواقع العنيد.

  إمزورن : 19 / 03 / 2016

* محمد بلمزيان : الحركة التلاميذية بامزورن بين المسار والإنكسار. دار النشر سليكي أخوين.  طنجة . فبراير 2016

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.