أضواء على الوهابية

مقدمة لابد منها
الوهابية حركة مذهبية سياسية تنسب للإمام محمد بن عبد الوهاب (1703 – 1792 ) تستلهم مرتكزاتها الكبرى من “ابن حنبل” ثم “ابن تيمية” لاحقا ، تم تأسيس الدولة السعودية في القرن 18 م على الخلفية الفكرية للوهابية
استطاعت الوهابية أن تصل إلى دمشق شمالا وإلى عمان جنوبا مستغلة ضعف الدولة العثمانية والدعم الكبير لبريطانيا ،وتميزت الوهابية بالهدم لجوامع الصحابة كجامعي حمزة بن عبد المطلب وجامع فاطمة الزهراء  والهدم للمدافن كمدفني أمنة بنت وهب أم الرسول محمد،ومدفن عبد الله بن عبد المطلب أبو الرسول محمد ، وتعتبر الوهابية أنها الفرقة الوحيدة الناجية وأنها الوحيدة من تتشبث بإسلام السلف النقي من جميع الشوائب معتمدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإعطاء الأولوية للنقل على العقل واعتبار أن المصدرين الوحيدين للتشريع هماالقرآن والسنة أماالمذاهب الفقهية الأربعة والتراث الفكري للفرق الأخرى كالشيعة والخوارج والأشاعرة والمعتزلة ،والتراث الفكري والفلسفي والعلمي والإنساني الذي راكمته البشرية كل دلك تعتبره الوهابية مجرد بدع وضلالات


المملكة العربية السعودية قبل الفكر الوهابي
كانت المملكة العربية السعودية قبل ظهورالفكرالوهابي نموذجا معتبرا للتعايش المذهبي في العالم الإسلامي كله حيث سادت بالمنطقة كل المذاهب الإسلامية المتعايشة بأمن وسلام بعيدا عن التعصب الطائفي والمذهبي وفي مناخ يطبعه روح الاختلاف والتسامح والإقرار بأحقية الأخر في الوجود والتعبير،فقد كانت المدارس الإسلامية بكافة تفرعاتها تحث على البحث والدراسة والتحاور وإقامة المناظرات الدينية بطرق سلمية حضارية دون محاولة أي طرف إقصاء للطرف الأخر أو تكفيره أو تخوينه
لكن مع نشأة الفكر الوهابي الذي ترعرع في أحضان الجاسوسية البريطانية ،الذي اتخذ من التخريب والقتل والعطش للسلطة والمال السمات البارزة لهدا الفكر، ولعل مذكرات الجاسوس البريطاني “همفر” مع مؤسس الحركة الوهابية محمد بن عبد الوهاب يوم ألتقى به لأول مرة في البصرة لهي خير دليل على ممارسات الوهابية المعادي لكل التيارات الفكرية والمذاهب الدينية والأديان الأخرى.


نشأة الوهابية
قامت النواة الأولى لهده الدولة في نجد 1746م على يد “محمد بن سعود” طبقا للتعاليم الوهابية،حيث اتفق “محمد بن عبدالوهاب” ،مؤسس الفكر الوهابي والمرشد الروحي للكيان الجديد، ومحمد بن سعود الحاكم السياسي والعسكري ، وبتمويل مادي من طرف بريطانيا العظمى أنداك على تأسيس كيان جديد تأتى لهدا التحالف غير المسبوق القيام كدولة عبر اكتساح دموي لمناطق الجزيرة العربية والإحساء والكويت وعمان والحجاز وباقي الولايات التي كانت تتبع للحكم العثماني ،شعار الحملة كان هو إحياء السنة والقرآن وعدم الاعتماد على المذاهب الأربعة المعروفة، حيث هدموا جميع المقابر وأضرحة الصحابة والأولياء،وكذلك الجوامع التي عليها نقوش وزخارف،فانتقلوا إلى مدينة كربلاء سنة 1801 م فهدموا قبة قبر الحسين بن علي،لكنه في سنة 1818 م نجحت القوات المصرية بقيادة “إبراهيم باشا”في محاصرة عاصمة الدولة الوهابية أنداك حيث استسلم “عبد الله الأمير” الوهابي الذي أعدم بإسطنبول 1819 م وبإعدامه كانت النهاية للنسخة الأولى من دولة غريبة عن الدين الإسلامي عادت وحاربت كل شيء بما في دلك المذاهب الأربعة رغم امتدادها إلى أكثر من ألف سنة.
ومع ما عرف بالرجل المريض أو نهاية الدولة العثمانية ستتأسس الدولة السعودية الحديثة سنة 1902 تحت قيادة عبد العزيز بن عبد الرحمان أل سعود التي ابتدأت بمجازر فضيعة وفي مقدمتها حملة استئصال لشيعة قبيلة شمر التي كانت تمارس طقوسها وشعائرها بكل حرية في ظل سلطة كان قد أقامها بن رشيد في نجد .


بعض السمات الوهابية أو ما يعرف بالدين الوهابي
° الدين الوهابي يعتبر نفسه هو الممثل الشرعي والوحيد للدين الإسلامي
° لن تجد أبداً في خطب الوهابيين ومحاضراتهم كلاما عن التسامح الديني أو اليسر في الإسلام أو محاربة التطرف أو الغلو في الدين ،أولا إكراه في الدين،ولن تهدي من أحببت ،وجادلهم بالتي هي أحسن
° الوهابيون أشداء على المسلمين مثل الصوفية و الأباظية والشيعة والمعتزلة والأشاعرة رحماء على الصهيونية
° لا تميز الوهابية بين الوحي والتاريخ وبين المبادئ والوسائل وبين القرآن والرأي الديني وبين الدين والتدين وبين الوحي والتاريخ
° قتلى الوهابية في الجنة وقتلى من يختلف معها في النار
° لا يمكن التفريق عند الوهابية بين محاكم التفتيش ومليشيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
° إن لم تكن مع الوهابية فأنت علماني كافر
° لا تسأل عما يفعله الوهابيون هم وحدهم من يسألون
° جعلت الوهابية الجنة مُقاطَعة لأتباعهم والنار لمخالفيهم
° كل من يخالف أفكار الوهابية رجس من عمل الشيطان
° يسمون التجديد والكشوفات العلمية والحضارة هرطقة
° يعتبرون العولمة و الفكر والثقافة والديمقراطية والفنون والإبداع والحداثة والقيم الإنسانية كالتسامح و السلام والعيش المشترك وحقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الطفل و الحريات العامة و الإبداع الفكري والفلسفي والاكتشافات العلمية-لازال “ابن الباز” مفتي السعودية ينكر دوران الأرض ويفتي بقتل من يقول بدلك- مجرد بدع وضلالات
لدلك يطرح العديد من الباحثين والمفكرين وحتى الناس البسطاء سؤالا بسيطا وماكرا إدا كان مشايخ الوهابية يعتبرون كل الإنتاجات البشرية بدعة وضلالة فلماذا يستعملون الكمبيوتر والسيارة و الطائرة والهاتف وجميع المنتجات بما في دلك سجادة الصلاة المستوردة من هدا الغرب “الكافر” “الصليبي”؟؟


الوهابية والأخر
استشعرت باكرا الدول المجاورة خطر الوهابية التي كانت تهاجم القوافل الذاهبة للحج و سلبها و نهبها و مهاجمة مراقد الأولياء وحتى الصحابة لتهديمها و سلب و نهب القبائل الصحراوية المتنقلة بحثا عن الماء و الكلأ ، فقد قام “إبراهيم باشا” أحد قادة مصر العسكريين كما أوردنا سابقا بشن حملته الشهيرة للقضاء على الوهابية وهزمهم شر هزيمة و قتل ما يقارب من الخمسمائة شيخ وهابي بعد أن أقام مناظرة استمرت لثلاثة أيام مع عدد من مشايخ مصر الشوافع و الأحناف دون التوصل إلى حل سلمي ومع إمعانهم في التشبث بصيغة بدوية وسطحية للدين تعادي وتكفر كل من اختلف معهم حتى ولو كان يناقش من داخل الدين الإسلامي أمر “إبراهيم باشا” بقتلهم ولكن لم يستأصل دابر الوهابية التي التجأت لاحقا للتحالف مع آل سعود فاستولوا على الحجاز و أسسوا المملكة العربية السعودية، وقد رعى ودعم الاستعمار البريطاني هدا التحالف الوهابي السعودي ومباشرة بعد اكتشاف البترول الذي شكل ولا يزال الشريان الحيوي للاقتصاد العالمي ستدخل أمريكا للمنطقة ليس لرعاية هدا التحالف فقط بل والتماهي مع حملات الفتاوي التكفيرية التي يطلقها الوهابيون في وجه من يخالفهم فاستغلت أمريكا هده الحملات التكفيرية في حربها الباردة ضد الاتحاد السوفياتي الذي كان يمنح الدول العربية السلاح مجانا في حربها ضد إسرائيل،ليس هدا وحسب فقد استثمرت أمريكا فكرة الجهاد ليس ضد إسرائيل طبعا ولكن لتمويل مؤتمرات الصحوة الإسلامية وتسهيلها عملية تسلل لما سمي بالعرب الأفغان إلى أفغانستان وتزويدهم بأحدث الصواريخ المضادة للطائرات وبتمويل سخي للبترودولار السعودي، إلى درجة أصبح فيها التمويل السعودي يغطي مصاريف جميع الحركات السنية في الشيشان وأنفوشيا وداغستان وأفغانستان والعراق ومصر ولبنان وفلسطين والبحرين والكويت وباكستان وسوريا والصومال وغيرها كما تمول السعودية مئات المدارس في العالم كلها مدارس لا تخرج أفواجا تدعو لقيم الدين الإسلامي المتنور والوسطي الذي يدعو للتسامح والكرامة والتضامن بل أفكارا متطرفة تعادي جميع القيم النبيلة السمحاء التي دعت إليها الديانات والثورات والنظريات الكبرى.


الجذور الفكرية للوهابية
تعود الجذور الفكرية الأولى للوهابية إلى ما عرف في تاريخ الفكر الإسلامي بمحنة خلق القرآن ودلك سنة 218هـ، محنة خلق القرآن هده شكلت النواة الأولى لتبلور المذهب السلفي ، وقد كان لوصول الخليفة المتوكل في العصر العباسي إلى سدة الحكم وانتصاره لأهل السنة وإمامهم أحمد بن حنبل أحد أعلام الفرق الإسلامية الأربعة المعروفة وتبنى أفكارهم وعمله على اضطهاد المعتزلة ،يشكل كل دلك التبلور الأول للسلفية الأولى التي سيتم استلهامها لاحقا مع الوهابية بشكل موغل في القراءة الظاهرية والسطحية والمباشرية للنص الديني المفتوح على جميع التأويلات إذ يقول ابن حنبل (الحديث الضعيف خير إلينا من الرأي) وتميز عند أتباعه بفتواه الشهيرة بتحريم الخروج على الحاكم حتى لو كان “فاجرا”، والعامل الثاني الذي ساعد على بروز النزعات الأولى للسلفية/الوهابية هو محاربة فكر المعتزلة وحشرها في أوساط النخبة علما أن الفكر المعتزلي كان يخوض في مسائل منطقية عقلانية تستدعي إعمال العقل والتمحيص والتناظر وتنتهي لتغليب العقل على النقل في قراءة النص الديني وجميع القضايا التي طرحتها المرحلة كمسألة قدم الوجود وصفات الله والتجسيم والتنزيه وغيرها من القضايا مما جعل الفكر المعتزلي يشكل منارة فارقة وصفحة مشرقة في عهد المأمون أحد الخلفاء العباسيين حيث ازدهر في هدا العهد المعتزلي القصير جدا الثقافة والأدب والترجمة والفلسفة وغيرها .
أما يمكن تسميته بالسلفية الثانية فقد حصل بعد خفوت الحنبلية والتداعيات السيكولوجية والفكرية لما عرف بمحنة القرآن على المسلمين والتي تم تنسيبها أي السلفية الثانية لأحمد بن تيمية في أواخر القرن السابع الهجري كرد فعل على الإصلاحات العقلية البسيطة التي أدخلها الإمام الأشعري على عقائد أهل الحديث والتي وصلت مع هدا الأخير قمة نضجها، واعتبر ابن تيمية والذي كان فقيها حنبليا أن تلك الإصلاحات الأشعرية التي تمت من داخل النص الديني على بساطتها اعتبرها ابن تيمية مروقا وخروجاً عن السنة، فشن حملة على كل التأويلات التي قدمها الأشاعرة للأحاديث التي أخذت منها تلك العقائد وهو مفهوم منهاج السلف الصالح فعرفت دعوته بالسلفية لأنه كان يدعو إلى العودة إلى سيرة السلف الصالح والتشبث بكتاب الله وسنة الرسول إذ اعتبر الأشاعرة والفرق الأخرى حادت وزاغت عنهما أي عن كتاب الله وسنة الرسول ، بل إن ابن تيمية أضاف أفكارا متشددة لم يقل بها حتى ابن حنبل المعروف بتأويله الحرفي للنص ، كقوله بأن السفر لزيارة قبر الرسول والاحتفال بمولده والتبرك بآثاره والتوسل به وبأهل بيته وزيارة القبور بدعاً وشركاً ومخالفة لما يسميه عقيدة التوحيد.
ورغم أن ابن تيمية كان قد أغلق باب الاجتهاد والتأويل التي عملت به جميع الأمم لمواكبة معطيات العصر وفي مقدمتهم الفرقة المعتزلية كما أوردنا سالفا فقد وجد من أتباعه من يعتبره مجددا عظيما وملقبينه بشيخ الإسلام، إن فكر ابن تيمية ظل محصورا في مناطق من الشام ومصر، وقد تصدى للرد عليه فقهاء آخرون من أهل السنة والفرق الأخرى، وقد سجن في مصر لسنة ونصف لإدانته بالتجسيم والتشبيه، ثم سجن مرة ثانية في دمشق حيث توفى هناك عام 728 هجرية .
في تناولنا للسلفية الأولى والثانية في الصيغتين الحنبلية والتيمية لم يطلق هؤلاء وأتباعهم على أنفسهم لقب السلفية بل اعتبروا أنفسهم دائما الفرقة الناجية أو أهل السنة والجماعة
أما مصطلح السلفية لم يظهر إلا في أواخر عهد الدولة العثمانية ويرى الشيخ “محمد أبو زهرة”
أن السلفيين هم من أطلقوا هدا الوصف على أنفسهم وكانوا من الحنابلة، وزعموا أن جملة أرائهم تعود للإمام بن حنبل ثم تجدد ظهورهم على يد ابن تيمية كما سبق أن أوردنا، اشتقت الوهابية إذن نسبة إلى مؤسسها محمد بن عبد الوهاب كما أوضحنا في البداية ،إن السلفي إدن هي امتداد شرعي للوهابية وأن أبويها هما ابن حنبل وابن تيمية.
و يمكن تلخيص المرتكزات الكبرى للسلفية/الوهابية في
قراءة العقيدة في ظواهر النصوص والتأويل الحرفى للنص، رفض التأويل والاجتهاد من الأساس
الأخذ بكافة الأحاديث حتى الآحاد منها من غير شرط ، تبخيس النقاش والجدال والتناظر والنهى عنه
رفض التصوف والدعوة للابتعاد عن المتصوفة والنهى عن الجلوس إليهم أو الأخذ منهم، وبجملة
مختصرة قد اعتبر “ابن تيمية” المتصوفة أهل ضلال،التأكيد والدعوة إلى السمع والطاعة لأولي الأمر
تقديسهم “ابن حنبل” واعتبار أكبر من خدم الإسلام.


الوهابية السعودية والإعلام
كانت مجلة تايمز الأميركية قد نشرت في يونيو 1992 تحقيقاً جاء فيه ما مفاده : أنه كان أي أمير سعودي يبحث عن الدعاية الصحفية وتبييض سجله الشخصي يكفي أن يمرر ساعة ذهبية للصحافي، أوظرفا سمينا من النقود إلى أحد الصحفيين، لكن الوقت قد تبدّل فقد أخذ السعوديون مؤخراً لا يشترون الصحافيين فحسب بل يشترون الصحف أيضاً،ولا يشترون مقالا للباحث بل يشتون الباحث نفسه لتتجه الوهابية لإنشاء إمبراطورية إعلامية سعودية على المستوى العالمي،وهكذا عملت السعودية على تمويل الصحف والمجلات على صعيد الدول العربية ودلك بهدف التشويش على فاضحي سياسات العائلة الحاكمة من جهة،والإشادة وكيل المديح للحاكمين السعوديين وسياساتهم من جهة أخرى،وقد وصل مدى الإمبراطورية الإعلامية المدعوم بالمال النفطي إلى خلق رأي عام وهابي وسط البلدان العربية والإسلامية بفعل الهيمنة الإعلامية،ولعله من المفارقات الغريبة أن قنوات الإمبراطورية الإعلامية تغرق المشاهد بمواد موسيقية وفنية “هابطة” تتناقض عموما مع قنوات أخرى لنفس الجهة تلقن قيم متطرفة مغلفة بالدين، تنضح بالكراهية والتمييز والاستعداء والتحريض على القتل بل و تعتبر كل ما أنجزته البشرية مجرد بدع وضلالات.
إن الإعلام الوهابي تجند أساسا لمحاربة جميع التيارات اليسارية التقدمية والقومية والإسلامية المعتدلة لدرجة أصبحت معه أنها تلعب دورا كبيرا في تحريف مسارات الربيع العربي عن أهدافه المتمثلة في الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية مقنعة فيه الدولة السعودية الإدارة الأمريكية ومجموعة من الدول الغربية بالتخلي عن مشروع الديمقراطية والمقابل طبعا كان دائما صفقات التسلح والضخ السخي للنفط وحماية الكيان الصهيوني .

يجمع الكثير من الباحثين والمتتبعين للشأن الوهابي إلى أن الأجندات الكبرى للدولة الوهابية عبر ذراعها الإعلامي وثروتها النفطية والتي شكلت نقمة وليس نعمة للدول العربية الإسلامية يجمعون أن أجندات الوهابية أجندات غير قومية وغير إسلامية حتى، حيث أصبحت السياسة الداخلية للوهابية لا وجود فيها لشيئ اسمه الديمقراطية والبرلمان والانتخابات والأحزاب والنقابات والمجتمع المدني وفي السياسة الدولية أصبحت فيه إسرائيل صديقة في حين إيران وسوريا وليبيا و العراق أعداء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.