أسرار فتاة مراهقة (قصة قصيرة)

ملاك اليوم امرأة متزوجة وربة بيت وأملابنين. اتصلت بي وسلمتني مذكراتها التي لم يعرف أحد بوجودها. حتى زوجها لا يعرف عن مذكراتها شيئا. عند لقائنا وجدتها امرأة معتدلة القد، بدأت آثار البدانة تزحف على خديها وذقنها. حيّتني بأدب بالغ وقالت بأن ما ستسلمني إياه هو أغلى ما تملك. أخذت الأمانة وطالعت في الطريق إلى البيت، وكلي فضول، بعضا مما كتبت. فكان النص التالي أحد أول الكلمات التي خطت في مذكراتها.

“أنا ملاك
أنا ملاك، الشابة الطفلة، أقترب منكم فتتأملون وجهي ، وشفتي الورديتين، وعيني
الكحيلتين، أمر بكم فتُفتح فُكُوكُكُم اندهاشا بجمالي، أبتعد عنكم فتتأملون انحناءات
جسدي وتدققون النظر به لتغذوا أحلامكم بشكل جسدي الفتي، تتعبون مخيلاتكم
تفكيرا في خبايا صمتي، وتهز دواخلكم نظرتي الحادة، تحرق حقول شقائق النعمان في متخيلكمحيث هرولتم ورائي على الطريق الترابي وعيونكم مغمضة، يقودكم إلي نسيم أبريل
وعبيري وخيوط شمس الضحى الدافئة الحنون، فترون في عيوني قسوة تبعدكم عني،
تخيفني وحدتي ويشِكُ قلبي جبنكم أمامي، فأسرع الى مرآتي قلقة الفؤاد، مقطبة
الجبين، أتأملني، أعض شفتي فيمتلآن حياة ولذة، أحيط وجهي بيدي وأبسم لي
وأقول لي بثقة “أنت من حظ الملوك”.
أنا ملاك، الجسد العطش، لا أريد أن أخبركم كثيرا عن جسدي لأني لا أريد أن
أُعرف بجسدي فقط…لكن جسدي هو سبيل وجودي بينكم، لذا سأخبركم ما تجهلون عنه:كنت طفلة فاستيقظت يوما على بلل بين رجلي، أرعبني أنوجدته دما، هرعت الى أمي والخوف يعصف بفؤادي، فابتسمت في وجهي مطمئنةوزغردت…راعني أن رأيت أمي اللّطُوف تزغرد على سيلان الدم وأي دم؟ دمي أناصغرى بناتها، دمي أنا ابنتها الفضلى. لم أُخْبر الكثير عما حدث. بل ازدادت مصائبيبعدئذ: تكور ثدياي، ونتأت حلمتاي، دق خصري، وطال عنقي واتّسع كتفايومنبت فخدي. حدث الكثير ولم يُفهمني أحد لم وكيف. فمقتّ كل شيء فيّ.
2
كنت الطفلة اللعوب، أبهر ضيوف أمي، خصوصا جارتنا الحسود التي سلمتنيكبرى بناتها، لعلها تأخذ عني سر فطنتي وحضور بديهتي. مازحني يومئذ كبار حيّنا، تسلوابأجوبتي الذكية ودفعوا ثمنها ألواح شوكولاتة اخترت ألوانها بنفسي، فأصبحت يوماوإذا بي أثقل من أن أقتعد حضن أبي، وأكبر من أن ألبس ما شاءته رغبتي، وأكبرمن أن أمنح شوكولاتة بلون من اختياري جزاء لي على دهائي، وأكبر من أن أقبِّلأو أقبَّل، وأكبر من أن ألاعب بنات حيي قفزا دون أن يتجمع ذكور حينا في ردهاتالأبواب وعلى حواف النوافذ ينتظرون دوري، يتأملون بتلذذ اهتزاز أليَتيّ داخلسروالي الرياضي، يُموْقعون نتوءات لباسي التحتي ويسراهم تداعبحجورهم…فامتنعت عن اللعب…ثم الخروج.
أخافتني عيون الشباب والكهول وحتى بعض الشيوخ، نهشت من لحمي، أبكت قلبي دما. اشتكى الصالحون من أساتذتي لي تراجع جهودي، بينما استبدتالغلمة بآخرين فحاموا حولي، استلذوا بتأمل عنقي من خلفي، راسلوني لري نار شبقهم وعندمارفضت أهانوني بمداد التقييم الأحمر، قلبوا شفاههم تهكما على أجوبتي وأتبعوهابنكات التقريع سخرية من صوتي الرخيم، أجلسوا حسدتي من زميلات قسمنا فيمكاني، وأفهموني بالمعلن والمضمر أن لا مكان لي في عالمهم الضيق. فضاق صدريبأنفاسي، أحاطت الحيطان بي من كل جانب وأحكمت الضغط علي، وجثمتالثقال على قلبي، حتى أركعتني على ركبتي، قاومتها… قلت لا ولم يسمع أحدصوتي، وعلمت أن كل الآذان صمت من حولي، بل ملأها أصحابها شمعًا حتى لاتسمع لأمثالي…فاخترت الموت…احتضرت كل يوم، تآكلت عزيمتي كممسحة المطاطعلى الورق، فاخترت مكاني بينهم، اخترت أن أكون ما أرادوني أن أكون.”

منادي إدريسي عبد الباسط

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.