أزمة إصلاح منظومة التربية و التكوين بالمغرب

إن أحد المداخل الأساسية لإصلاح منظومة التربية والتكوين في المغرب ؛هو تحديد تصور عام يتبنى باراديغم تحدد فيه الحاجيات والغايات والمرامي والاهداف من هذه المنظومة، وتوضع الآليات والميكانيزمات اللازمة للاستجابة للحاجيات وللوصول الى هذه الغايات بطريقة واضحة وعملية . فالتصور المؤطر لأي مجال يشكل نحو 40 بالمئة من اي مشروع اصلاحي له ، هذا ما تركز عليه مختلف الدراسات المتعلقة بالجودة .

اتسمت المشاريع الاصلاحية لنظام التربية والتكوين بالمغرب بضبابية في هذا التصور وهيمنة مقاربة موازاناتية تقنية ، وطغت عليها روح توافقية للنخب السياسية المهيمنة ، فتحولت هذه المشاريع الى تجميع فتات أفكار هنا وهناك، في محاولة منها لإرضاء نخب سياسية بطبيعتها مشوهة تعيش على ايقاع الاختلاف المصالحي الضيق وافتقاد لوضوح الرؤية ، مما جعلها تعاني من غياب فلسفة نسقية تعطي لها معنى و امكانية تحقيق، وهو ماتنج عنه الاخفاق والفشل رغم كل المجهودات المبذولة .ان المدرسة المغربية عبر سيرورة هذه المشاريع، تحولت الى “مسخ” يعيش تشوهات في مختلف الابعاد والادوار المنوطة بها ، ومشتلا لإنتاج الفشل والعقم على مستوى الابداع والخلق وهو ما تعكسه مختلف المؤشرات التقييمية الخاصة بالمجال.

إن أي مشروع اصلاحي لنظام التربية والتكوين يفرض الانطلاق من تصور شمولي واضح المعالم ضمن مشروع مجتمعي عام يكون هدفه الاسمى انتاج     “الانسان-الفرد –المواطن” والقطع مع مفهوم “الانسان المبتلع من طرف الامة – الفرد المبتلع من طرف الجماعة-مفهوم المواطن المعتقل في سجن الرعية” ، والتخلص من أشكال الهدر الانساني الذي يعيشه المغربي في مختلف الابعاد ، عبر تبني منظومة للتربية والتكوين توفر عوامل لإنتاج مواطنين متصالحين مع ذواتهم وعصرهم و قادرين على الابداع والخلق ،عبر اكتساب قدرات وكفايات في تفجير طاقاتهم للمساهمة في تنمية ذواتهم ومجتمعهم. وهذا لن يتأتى الا عبر الحسم والقطع مع المقاربات التوفيقية السياسوية التقنوية ، واعتماد تصورات تربوية مبينة على رؤى علمية تحدد الاشكاليات والحاجيات المجتمعية الحقيقية المطروحة و تحترم السياق المجتمعي وتتبنى استراتيجيات محددة لتحقيق الاصلاح وآليات المراقبة والتعديل .

إن هذه القطيعة الابستمولوجية بين الخطاب الاصلاحي الذي عرفه المغرب وكل اصلاح حقيقي، يجب ان يتم من خلال القطع مع مجموعة من التمظهرات التي كانت توفر عوامل وشروط الفشل ولعل أهما ما يلي :

– سيادة خطاب واجهاتي مصطنع : يعتمد هذا الخطاب على انتاج الغزارة في المفاهيم التي لا تجد اجرأتها في الواقع ،و يمارس نوعا من ” شعوذة المفاهيم” حيث يعتقد ممارسوه، عن وعي او عن غير وعي، انه بمجرد ترديد المفاهيم تصبح هذه الاخيرة واقعا معيشا وهذاهو لب التفكير الخرافي ، الذي يعطي قدرات لأشياء لا تملكها؛

-اعتماد التركيبة الهجينة المشوهة “الاصالة والمعاصرة” كحل سحري مولد لإنتاج الخطاب الاصلاحي لمنظومة التربية والتكوين، وهي في حقيقتها تعبير عن فشل في ملامسة الواقع المعقد و محاولة تجاوزه ، و ميكانيزم للهروب من الاشكاليات الحقيقية التي يطرحها الاصلاح؛

-عدم ربط المدرسة بالمحيط الاجتماعي وجوديا وقيميا، حيث تعاني المدرسة المغربية نوعا من “الغربة” في علاقاتها بمحيطها بسبب عدم وضع استراتيجيات للتفاعل بين الثقافة المدرسية و ثقافة المجتمع ؛ فالمعارف والمكتسبات المدرسية تبقى حبيسة هذه الاخرى وبمجرد خروج المتعلم الى العالم الغير المدرسي يرمي وبسرور كل هذه المعارف؛

-عدم وضع المدرسة كأداة لمشروع عام للتنمية ، عبر تكوين المواطنين واكسابهم الكفايات اللازمة لتنمية ذاتهم و تخريج الاطر اللازمة للمساهمة في تنمية بلادهم. حيث يغيب عن المناهج والبرامج المعتمدة المهارات السلوكية والكفايات الخاصة بتطوير السلوك المدني الحضري و اكساب المتعلم قدرات في تنمية شخصيته عبر تقدير الذات و الاستفادة من علم النفس الايجابي . كما انه ليس هناك استراتيجيات تربط التكوين بحاجيات المجتمع للتنمية والتقدم؛

-عدم تشجيع التفكير العلمي ، حيث اصبح هذا الاخير مجرد “سترة ” يلبسها المتعلم عند دخوله الى قاعة الدرس او المختبر ، ويزيلها بمجرد خروجه منهما . كما ان بؤس طريقة تدريس العلوم تحولها الى أصنام فاقدة لكل حياة وتختزلها الى نظريات جافة تقنوية فاقدة لاي معنى ، فالعلوم تدرس في المدرسة المغربية بعيدا عن الثقافة العلمية (غياب مواد الابستمولوجيا وتاريخ العلوم بالنسبة للشعب العلمية) التي تعطي لها معنى وفي اغتراب عن المنهج العلمي الافتراضي الرياضي و التجريبي ، مما ينعكس سلبا على المجتمع وخاصة ان من ضمن التعاريف التي تعطي للتقدم ” هو عندما يصبح العلم ثقافة”؛

-عدم وجود اهتمام كاف بتربية المتعلم على التفكير الحر والقدرة على المبادرة و الابداع والابتكار، واكسابه الكفايات المعرفية والمنهجية لإنتاج الجديد والقدرة على الخلق؛

-عدم توفير البنيات المادية والبشرية الكافية لتنزيل اي اصلاح خاصة في ظل ثورة الاتصال والمعلوميات وسيادة النماذج البيداغوجية الفارقية و المعتمدة على التتبع الفردي للمتعلم وهذا مايفرض على الاقل التخلص من ظاهرة الاكتظاظ التي تعرفها مدارسنا.

إن أي اصلاح في مجال التربية والتكوين، يفرض تبني مقاربة شمولية تلامس جميع ابعاد المنظومة وتعقداتها ويضع الاسئلة والاشكاليات الحقيقية بعيدا عن التجاذبات الايديولوجية والسياسية ، ويجعل من تنمية الفرد والمجتمع غاية وهدفا وليس شعارات فارغة قابلة فقط للاستهلاك والمزايدة.

 *مفتش في التوجيه التربوي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.