أزمة أخلاق

سوف أتطرق لموضوع الأخلاق، في ضوء الآية الكريمة، التي وصف فيها الله سبحانه و تعالى، نبيه الكريم، بقوله تعالى : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ، سورة القلم الآية 4. فهذه الآية، جمعت كل محامد الأخلاق، ومحاسن الآداب، التي يمتاز بها المصطفى، صلوات الله و سلامه عليه ،هكذا لخص الله تعالى، صفات النبي في شموليتها ، يعني أن الأخلاق الحسنة، و الحميدة، هي المصدر الأساسي لجميع الصفات، و الأعمال، و الأقوال، فالرسول صلى الله عليه و سلم، أُرسل رحمة للعالمين، و هو بالمؤمنين رؤوف، رحيم ، وربنا تعالى جل شأنه، لم يقل في وصف نبيه، إنك لذو لحية طويلة، و لا ذو جلبابة بيضاء، و لا ذو قامة، و لا عربي اللسان، بل الأهم من ذلك، و الأولى، هو حسن الخلق.
و في نفس السياق نجد الحديث الذي رواه أبو هريرةعبد الرحمن بن صخر – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ، ولا إلى صوركم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم )) رواه مسلم.
فالصور و المظاهر لا تزيد الإنسان في شيء لأن المجتمع في أمس الحاجة لمن ينتج و ينمي أفكاره و يدفع بمجتمعه إلى التقدم و الإزدهار كل هذا لا يتحقق طبعا إلا بالتحلي بالأخلاق الفاضلة الحسنة و الحميدة أما في غيابها فلا يمكن لأي إنسان أن يتقدم . أي دولة في العالم تتقدم بالأخلاق ليس بالدين و لا باللغة ولا بالثقافة و لا أقلل من شأن الدين هنا لأن الكثير من الناس يفهمون الدين بطريقة خاطئة و ينسبون التخلف للدين، فهذا الأخير عقيدة مليار ونصف من البشر لو طبقوها لنجحوا و لسادوا و حكموا العالم بأسره لكن لسوء الحظ فالتطبيق يكاد ينعدم ، فاختزلوا الإسلام في إعفاء اللحية و لبس الجلبابة البيضاء ، حتى صاروا يحللون و يحرمون بغير علم و لا دليل. معاملاتهم مع المسيحيين و اليهود لا تكاد تتعدى السب و الشتم ، هل هكذا كانت أخلاق النبي معهم.
و كتعريف بسيط للأخلاق يمكن القول بأنها مجموعة من القواعد والأسس التي يعرف بواسطتها الإنسان معيار الخير والشر في سلوك ما و بالتالي فهي أساس كل شيء لأنها تشمل العلم و العمل و الإجتهاد و الإخلاص ، بهذه الخصائص تقدمت دول غربية على دول أمة إقرأ و التي هي قليلا ما تقرأ و إن قرأت فهي كثيرا ما تفهم و إن فهمت كثيرا ما تنسى و لا تطبق ما قرأت. صرنا نعيش أزمة أخلاق و التي تبدو واضحة وضوح الشمس في النهار في معاملاتنا اليومية مع بعضنا البعض و المتمثلة أساسا في غياب الحياء و قلة الإحترام و كثرة الأكاذيب و الأمر بالمنكر و النهي عن المعروف ، صرنا نعيش في مجتمع يسوده الكذب والطمع و الخيانة والرياء والمكر والخداع والفزع والجبن والبخل والعجز والكسل . صرنا نشجع و نطبل للفساد و الإنحلال الأخلاقي بدعوى الإنفتاح و الحرية حتى أصبح الإسلام يتبرأ منا.
هناك مجموعة من الأحاديث النبوية التي تتحدث و تصف قيمة الأخلاق التي لا نلقي لها بالا نذكر منها قوله صلى الله عليه وسلم “وأعظم ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق”، و قال أيضا “أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً”، و قال أيضا “إن من أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقاً.”
إن حسن الأخلاق مقدم على العلم، فالعلم بدون الأدب لايساوي شيئاً و خير دليل على ذلك أجدادنا و أسلافنا الذين عاشوا في أمن و أمان بسبب تمسكهم بأدب الخلق الذي يقودهم إلى تلك الصفات الحميدة من الكرم والشهامة والصدق والأمانة وإن قل مستوى تعليمهم، و لذلك قيل بأن قليل من الأخلاق أفضل و أحسن من الكثير من العلم.
الأخلاق سمة كونية و مقياس العالم أجمع حيث بها يقاس الإنسان إذا كان مقبول الأخلاق فهو إنسان مقبول للعيش و مرغوب فيه في أي مكان أما إن كان ذو أخلاق سيئة فلا أحد يرحب به، و بالتالي يجب أن لا ننسى بأن الأخلاق هى العامل المشترك بين بني البشر كلهم دون إستثناء كما يجب علينا كذلك أن نحكم على الإنسان حسب أخلاقه وتصرفاته وأفعاله وليس حسب ديانته فالديانة شىء بين الرب وعبده فقط، ولا يحق لأي إنسان مهما كان التدخل فى هذا الأمر، فمكارم الأخلاق صفة من صفات الأنبياء والصديقين والصالحين، بها تُنال الدرجات، وتُرفع المقامات و لأجلها بعث نبينا الكريم صلى الله عليه و سلم حيث قال : “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.”
وقد جُمعت علامات حسن الخلق في صفات عدة منها أن يكون الإنسان كثير الحياء، قليل الأذى، كثير الصلاح، صدوق اللسان، قليل الكلام، كثير العمل، قليل الزلل، قليل الفضول، براً وصولاً، وقوراً، صبوراً، شكوراً، راضياً، حليماً، رفيقاً، عفيفاً، شفيقاً، لا لعاناً ولا سباباً، ولا نماماً ولا مغتاباً، ولا عجولاً ولا حقوداً ولا بخيلاً.
و العجيب في الأمر أنه هناك ملايين الناس يغسلون وجوههم خمس مرات في اليوم و يجيبون داعي الله و لا يغسلون قلوبهم و لو مرة واحدة في السنة ليزيل ما علق فيها من سواد و ظلم و غش و نفاق و كراهية و حقد و كل الصفات الفاسدة التي تنخر مجتمعهم يوما بعد يوم.
فيا من تدعى قدوته كن خلوقا متخلقا و طبق أخلاقه قبل مظهره، و الله لا يليق بإنسان يدعي محبة النبي و يلبس لباسه لكن أخلاقه بعيدة كل البعد عن خلق الإسلام، إن حسن الأخلاق يسبق اللحية و الجلبابة البيضاء ، فكن إنسانا إيجابيا ومنتجا لا مستهلكا فحسب و حاسب نفسك ماذا قدمت لمجتمعك.
و أترككم مع هذا البيت الشعري للشاعر أحمد شوقي
وإِنَّمَـا الأُمَـمُ الأَخْـلاقُ مَا بَقِيَـتْ فَـإِنْ هُمُ ذَهَبَـتْ أَخْـلاقُهُمْ ذَهَبُـوا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.