أرجوك اعطيني كل يوم سمكة.. ولكن لا تعلمني كيف أصطاد السمك

وجاءت الهزة الكبرى هزة التسريبات لامتحان الرياضيات، لتشتعل الاحتجاجات بمختلف ربوع المملكة، فقد استيقظ تلاميذ شعبة العلوم التجريبية صباح اليوم الثاني من الاستحقاق الوطني على خبر تسريب صفحتين من الصفحات الثلاثة لامتحان الرياضيات قبل فتح الأظرفة بعدة ساعات. فأين هي الاستراتيجة الوزارية التي صدعت أسماعنا في المذكرات الوزارية وفي الوصلات الإشهارية والتقارير الصحفية.

إنها العبثية في المؤسسات الرسمية. نعم إنها العبثية التي سوقت للجهاز الكاشف للهواتف والذي لم يره أغلب الأساتذة المراقبين لا في اليوم الأول ولا في اليوم الثاني ، وحتى من استعمله منهم اكتشف أنه مجرد جهاز صوري لا يشتغل. فبقي الحال على ماهو عليه في قاعات فاق فيها عدد الهواتف الذكية عدد المترشحين الممتحنين داخلها، حتى إنه في أحد مراكز الامتحان تهاطلت الهواتف على الباحة الخلفية كزخات المطر من نوافذ الحجرات لحظة مرور لجنة للمراقبة يترأسها نائب إقليمي.

إنها العبثية ونحن نرى قبل أيام عشرات صفحات التسريب تتناسل على المواقع الاجتماعية دون أن يتحرك (عباقرة المعلوميات) في أجهزة الدولة لكشف خيوطها.

إنها العبثية ونحن نرى هذه الاستراتيجية الوزارية لم تكلف نفسها عناء إعداد نماذج لامتحانات بديلة من باب درء كوارث التسريبات.

إنها العبثية حينما يضيع مبدأ تكافؤ الفرص بين حسابات ورؤى مختلف المراقبين، فينقسمون إلى قسمين: الأول يراقب بكل حزم و جد حتى لا يضيع حق المجتهد إيمانا بقيمة عمله، والثاني يطلق العنان لظاهرة الغش في الحجرات لإيمانه بعبثية الامتحان الذي توزعت كعكة تعويضاته الدسمة ما بين المسؤولين من مدير الأكاديمية والنواب الإقليميين ورؤساء مراكز الامتحان والملاحظين وغيرهم ، دون أن يناله منها أدنى نصيب رغم أن هذا الامتحان يقوم على أكتاف هؤلاء المراقبين وكذا الحراس العامين الملزمين بتهييء القاعات وآلاف الأوراق الخاصة بهذا الامتحان.

نعم إنها العبثية حينما يقتسم المسؤولون كعكة التعويضات مع ترك المراقبين وجها لوجه مع المترشحين بمختلف أطيافهم وإلزامهم بمحاربة الغش ولو اقتضى الأمر إنجاز تقارير لمعاقبة كل متهم بالغش بعقوبات شديدة . دون توفير آليات الحماية لهؤلاء أثناء و ما بعد الامتحان. ولولا هذه العبثية لما تحولت اليوم العديد من المؤسسات إلى فضاء لاحتجاجات المترشحين بمشاركة أولياء أمورهم. ولولا هذه العبثية لما صار جلهم يؤمن بالغش كحق من الحقوق،ولما انتشر خطاب الاستهزاء من المجتهد بين صفوف التلاميذ على صفحات المواقع الاجتماعية وفي كل الفضاءات.

نعم فلو لم تكن هذه العبثية، لاهتدت الوزارة إلى استراتيجيات حقيقية، ولاستثمرت الوسائل المعلوماتية التواصلية حيث بإمكانها الاستغناء عن الطرق التقليدية التي ترهق الدولة ماديا، فمثلا لو كان تدبير الامتحان مركزيا من قلب الوزارة، من خلال إرسال نماذج الامتحان قبل توقيته بساعة عبر عناوين البريد الإلكتروني لكل رئيس مركز، لتتم عملية نسخه مباشرة حسب عدد المترشحين بكل مركز، إذ أن هذه المراكز هي في الأصل مؤسسات ثانوية تتوفر على آلات الطباعة والنسخ. فلو كان الأمر كذلك لما شاهدنا هذه الزوبعة التي أحدثتها التسريبات السابقة لتوقيت لامتحانات. أما التسريبات التي تلي لحظة فتح الأظرفة فبإمكان الوزارة لو كانت تتصف بالجدية أن تنسق مع شركات الاتصال الوطنية للتشويش على الأقل على المحيط الداخلي لكل مركز من مراكز الامتحان.

وفي انتظار ذلك فإن المستقبل القريب لا يبشر بالخير ونحن نرى هؤلاء التلاميذ الذين هم أطر ورجالات الغد نراهم وقد صاروا يبخسون قيمة الجد والاجتهاد، حتى أصبح كل فرد منهم يصيح ويصرخ دون خجل : ” أرجوك اعطيني كل يوم سمكة، ولكن لا تعلمني كيف أصطاد السمك”.

أحمد دامو ـ أستاذ بالثانوي التأهيلي ـ

تعليق 1
  1. تصويب واعتذار يقول

    نعتذر لقراء هذا المقال عن كلمة “اعطيني” التي حلت محل كلمة ” أعطني ”
    مع تحيات أحمد دامو

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.