أذكى متسول في العالم

يبدو أن الحديث عن التسول عاد إلى الإلف أقرب، وعن الإثارة أبعد، ولست هنا لاجترار المجتر وإنما للفت النظر إلى آخر التطورات الرهيبة التي شهدها القطاع المربح غير المهيكل.

فلا شك أن ألاعيب المتسولين وابتكاراتهم في ألوان الخدع صارت مفضوحة لدى المتيقظين من الناس، حتى غدا الشكاك منهم يحمل في نفسه هم تأمين صدقته فلا يخرجها إلا لماما في تحرج المتردد من الوقوع في شرك النصب والاستغفال…

ومن سنن التطور أن يتفنن أرباب هذا الميدان في الحفاظ على الرّيادة وضمان الاستمرار ومسايرة العصر، فمع الكارثة في سوريا ظهر اللاجئون المستنفرون من هول الفتنة كمنافسين لمحترفي التسول في بلادنا، لقد أدرك المتسول المحلي أنّ مشروعه مهدد بالكساد مادام التعاطف محسوما منذ البداية لصالح المغتربين أمام الشعب المضياف.

لكن هيهات أن يقف الأمر عند هذا الحد فمصائب قوم عند قوم فوائد، ولرب ضارة نافعة.

للوهلة الأولى وأنت في الشارع أو في باب مسجد أو أمام مطعم قد يلتبس عليك المظهر فتتوهم أن نسبة المتسولين قد قلت في صفوف المغاربة، عدا شيخ ضرير أو امرأة عجوز أو ذي عاهة بينة، أما البقية فمن بعثات الحرب في سوريا، إنه مخطط غاية في الدجل والإتقان مهارة عالية في التكيف مع الأوضاع المستحدثة، عقل مفكر مدبر مشتق من زبد الشيطان.

لابد من التسليم بأن المتسول عموما والمغربي خصوصا مخلوق مائع يأخذ شكل ولون الشيء المجعول فيه، حيث يستثمر موهبة لسانه في ضبط نحو اللهجة السورية صرفا وتركيبا ونبرا وتنغيما، في حبكة لا مجال للتمييز معها بين الأصل والفرع إلا بالألطاف الإلهية، وقد يلجأ بعضهم من أجل ستر الشبهة ودعم تناهي التشابه إلى طمس ملامح جنسه بعدسات العين اللاصقة وطلاء الشعر بالأشقر في مهارة رقمية مضللة لن تدرك حقيقتها إلا بمعية علم الأحياء والحمض النووي، والأبهر من هذا وذاك إدلاؤهم بنسخ من جوازات السفر بالجنسية السورية بعد اضطرار الوافد إلى استخدامها في عز المنافسة.

دهاء وبلاء لا نظير له ودرس متجدد لإثبات صولة المغاربة العالمية في الإنجاز والإعجاز، فلكي تقدر منزلة شخص على سلم الدهاء والغباء يكفي سؤاله من أين أنت؟

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.