أحمد ابن الصديق يكتب: وزارة العدل والذاكرة المعطوبة

أحمد ابن الصديق

أفادت عدة وسائل إعلام في نهاية الأسبوع الماضي أن وزارة العدل المغربية أعربت يوم الخميس 29 يونيو 2017 عن ارتياحها للتفاعل الإيجابي الذي أبدته السلطات الهولندية تجاه طلب إيقاف “سعيد شعو” المقدم من طرف السلطات القضائية المغربية المختصة.

وأكدت الوزارة، في بلاغ لها، أن “هذا التجاوب هو ثمرة تعاون قضائي متين منذ سنوات بين السلطات القضائية بالبلدين لمكافحة الجريمة، بما فيها الجرائم المنظمة، والحد من حالات الإفلات من العقاب، ويعكس الثقة التي يحظى بها القضاء المغربي على المستوى الدولي، ويكرس النظرة الإيجابية إلى جهود الإصلاح المبذولة في مجال العدالة المغربية، ويشهد بالتزامها بسيادة القانون واحترامها لحقوق الإنسان ومعايير المحاكمة العادلة كما هي متعارف عليها دوليا”.

أما عن سمعة القضاء المغربي على المستوى الدولي الذي تتغنى بها وزارة العدل، فقد سبق وأن تغنى بها قضاء أكبر قوة اقتصادية وسياسية في العام و هو القضاء الأمريكي ولكن بصيغة أخرى يبدو أن وزارة العدل أو وزير العدل الجديد قد تناساها بالكامل فلا بأس أن نذكره  بقضية تفاعل القضاء الأمريكي مع مخلفات قضية بترول تالسينت سيئة الذكر  والتي تعود بنا إلى مهزلة موجعة لمن كانت ذاكرته معطوبة:

ففي شهر غشت 2014 رفضَت المحكمَة الفيدراليَّة في ولايَة تكساس، بالولايات المتحدَة، تنفِيذَ حكمٍ ضدَّ رجلِ أعمال أمريكِي كانَ قدْ أدِين أمام القضاءِ المغربي، بدفعِ تعويضٍ يصلُ إلى 122.9 مليُون دولار لفائدَة شركائه فِي مشروعٍ للتنقيب عن النفط بِالمملكة.

القرارُ الصادرِ عن محكمة تكساس لصالح الملياردير الأمريكِي، جون بُول ديجوريَا، دون النظر إلى ما حكمَ بهِ القضاءُ في المغرب، يرجعُ تعليله، وفق القاضِي الذِي بتَّ في الملف، إلى أنَّ “السلطة القضائيَّة لا تتمتعُ باستقلاليَّتهَا في المغرب”، وأنَّهُ “من المحتمل أنْ تكون المحكمة التي تولتْ النظر في الملف قد تعرضت لضغوطاتٍ كيْ تدين المستثمر الأمريكي”، مستندا في ذلك إلى تقارير دوليَّة تتحدثُ عن حال القضاء بالبلاد.

فصُول النزاع، الذِي بلغَ القضاء، ترجعُ إلى دخُولِ المستثمر الأمريكي في شراكةٍ مع كلٍّ من شركة “مغرب بتروليُوم” للتنقيب عن النفط، وَالصندُوق الاستثمارِي “MFM”، في نطاق مشروع “تالسينتْ” الشهِير، في الفترة ما بينَ 1998 وَ2001. وقد دخل دجوريَا إلى المعاملات عن طريق وسيط لمْ يكن سوى شركة “سكيدمُور إينيرجِي” التي يعدُّ أحدَ مساهمِيهَا.

بعدَ خيبة الأمل الكبيرة في تالسينت، سنة 2002، وتبخر “الحلم” النفطي”، سترفعُ كلٌّ من شركة “مغرب بتروليُوم” للتنقيب عن النفط وَالصندُوق الاستثمارِي “MFM” دعوى قضائيَّة ضدَّ 7 من الشركاء السابقين في المشروع، ومنْ بينهم صاحبنا هذا  دجوريَا، متهمة إياهم بإعطاء تقدير غير مضبوط نفخَ في القيمة الحقيقيَّة للمشروع، وهوَ اتهامٌ نجحَ في انتزاعٍ حكم لصالح المدّعين وقضَى منطوقه بدفع تعويض ضخم يبلغُ 122.9 مليُون دولار.

الحكمُ بالمبلغ الكبير رجحتْ المحكمة الأمريكيَّة أنْ يكونَ مبعثهُ “ضغوطاتٌ مورست لأجل خروجه بإدانة للمستثمر دجوريَا”، ما جعل القاضي  الأمريكي يستحضرُ تقريرًا للوكالة الأمريكيَّة للتنمية الدولية، المعروفةِ اختصارًا بـUSAID، كانتْ قدْ تحدثتْ فيه عن “حجم الفساد الذي يستشرِي في الأوساط السياسيَّة والأمنيَّة، دون أنْ تكون ثمَّة محاسبةٌ”

وفي شهر سبتمبر 2015 قررت محكمة الإستئناف في ولاية “تكساس” الأمريكية  أن القضاء المغربي “ليس مستقلا، ويعاني من استفحال الفساد، ويخضع لنفوذ السلطة السياسية” إلا أنه ليس “منهارا بالكامل” ,

وقد أتى هذا التقييم ضمن الحكم الاستئنافي للحكم الإبتدائي الذي كانت أصدرته المحكمة الفيدرالية في غشت 2014،  حيث رفضت تنفيذ الحكم الصادر عن القضاء المغربي ضد رجل الأعمال الأمريكي “دجوريا”، الذي تمت إدانته بتعويض قدره 123 مليون دولار أمريكي، كما أسلفنا .

وأكدت محكمة الإستئناف في الدائرة الخامسة في “تكساس” أن “القضاء المغربي ليس مستقلا، وأن الفساد مستشر في قطاع القضاء، كما أن القضاة يتعرضون لضغوط السلطة السياسية”، الا أن “المنظومة القضائية ليست منهارة بالكامل”.

وجاء في نص الحكم الذي نشرته صحيفة “الواشنطن بوست” الجمعة 2 اكتوبر2015 إن المحكمة “استندت إلى تقرير من 66 صفحة أصدرته الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في سبتمبر 2010 حول القضاء في المغرب وقدمت فيه صورة قاتمة عن اشتغال المنظومة القضائية وسيادة القانون في المملكة”.

وانطلق التقرير من ثلاثة معطيات وهي “العلاقة بين المؤسسة الملكية ووزارة العدل حسب نصوص الدستور، وغياب استقلالية القضاء على مستوى القوانين وعلى مستوى التطبيق، واستفحال الفساد في المنظومة القضائية”، ليخلص إلى أن “النظام القضائي المغربي يخضع للتأثير السياسي”، وأن “الميكانزمات التي يتم بها تعيين القضاة، والحركة الانتقالية في صفوفهم، والإجراءَات التأديبية، تجعلهم يتخوفون من الانتقامات السياسية”.

وذكرت المحكمة ان وزير الخارجية المغربي السابق الطيب الفاسي الفهري أكد صحة تقرير الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية خلال لقاء عقده في معهد “بروكينس” في واشنطن في مارس 2011، عندما قال ان “استقلالية القضاء لا وجود لها اليوم في المغرب  لأن القضاة لا يزالون يتوصلون بين الفينة والأخرى باتصالات هاتفية من وزارة العدل”.

وأضافت أنه  “فضلا عن تقرير الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ووزير الخارجية المغربي فإن القضاة المغاربة أنفسهم يؤكدون عدم استقلالية القضاء، ويطالبون بإصلاحات بنيوية للمنظومة القضائية”، في إشارة الى احتجاجات القضاة المغاربة سنة 2012. وتابعت المحكمة “أن ما يناهز 1000 قاض احتجوا للمطالبة بإصلاحات بنيوية، كما أن هناك عريضة موقعة من طرف 2200 قاض، أي ما يعادل ثلثي عدد القضاة في المملكة، يطالبون بإصلاحات بنيوية تضمن لهم استقلال القضاء عن الملك”، مذكرة أن “هؤلاء القضاة يعلمون جيدا أنهم بإعلان معارضتـهم للملك، يجعلون أنفسهم عرضة للمخاطر التي وردت في تقرير الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية”.

وبخصوص حيثيات الحكم الذي أصدره القضاء المغربي في حق سبعة رجال أعمال، ومن بينهم “دورجيا”، لصالح  شركة “مغرب بتروليوم” وصندوق الاستثمار “ايم ايف ايم”، شددت المحكمة أن هذين الأخيرين “لا يمانعان في إمكانية تدخل الملك في العملية القضائية إذا كان يرغب في ذلك”، وأن “شركة “سكيدمور” قد تكون لعبت دورا مهما في العملية التي أفضت إلى الخطاب المشؤوم الذي أعلن فيه الملك وجود البترول في تالسينت”.

واسترسلت أنهما “لا يمانعان أيضا على كون الملك محمد السادس حصل على حصة، ولو صغيرة، من أسهم شركة “سكيدمور” مقابل تسهيل الطريق لتحقيق أهدافها على التراب المغربي”، وأن “دجوريا” كانت له اتصالات مع أشخاص في المحيط الملكي، بمن فيهم الملك نفسه، حتى قبل أن يعقد اتفاق الشراكة بين المغاربة وشركة “سكيدمور”.

وفي هذا السياق ذكرت المحكمة بواقعة “لوجورنال” عندما نشرت في 27 يناير 2007 تقريرا بعنوان “كذبة بترول تالسينت” وذكرت الرسالة التي وجهها “ميكاييل غوستان”، المدير العام لشركة “سكيدمور”، إلى الملك محمد السادس واتهمه فيها مع عدد من المسؤولين بالفساد والتعتيم”.

وأشارت المحكمة الأمريكية إلى المحنة التي عاشتـها الصحيفة بعد نشر الرسالة، مبرزة أنها “ليست حالة استثنائية حيث الملك اعتاد على حجب الصحف التي لا تروق له” واستشهدت على ذلك بالقرار القضائي الذي قضى بتعليق صحيفة نيشان لمدة شهرين بسبب نكت عن الملك والدين.

 وخلصت المحكمة الأمريكية إلى أن “القضاء في المغرب ليس منهارا بالكامل”

كانت هذه نبذة عن هذه القضية التي أغفلتها ذاكرة الوزارة عندما هرولت و بشرتنا أن القضاء المغربي يحظى بالثقة على المستوى الدولي.

فهل تنتظر الوزارة أن يصبح هذا القضاء منهارا بالكامل لكي تستعيد وعيها وذاكرتها ؟

تعليق 1
  1. فريد برادة يقول

    عناصر من الشرطة ووكلاء الملك وقضاة يعملون على حساب الابرياء والفقراء ليبينوا انهم يعملون بجدية وهم في الحقيقة يغتنون على الاقاع بين الملك وشعبه فياسيد البلاد انشءلهم بوليس خاص سري يراقب تحركاتهم وممتلكاتهم وارصدتهم في البنوك فان سلطاتهم العالية اللامنتهية سلاحهم القوي في الاختلاس والتعدي على حقوق شعبك ….بين لمن يحبك انك تحبه والله المستعان

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.