أحداث 1981 بالبيضاء وحدود التفسير الانقسامي للنسق السياسي لمغرب الاستقلال

ورد في تقرير ” مغرب الاستقلال 1955 – 2005 تعليقا على السياسة الاقتصادية في مغرب السبعينات،” أن هذه القرارات لم يترتب عنها أي تحسن ملموس في المعيش اليومي لأغلبية السكان أواخر السبعينات وبداية الثمانينات ، فقد أشار تقرير لصندوق الأمم المتحدة للسكان سنة 1980 بأن 7 مليون مغربي من مجموع 20 مليون يعانون من البؤس ، كما يوجد 5 مليون منهم في البوادي و 2 مليون في الوسط الحضري يعيشون تحت عتبة الفقر المطلق ، بحيث لا يتوفر كل منهم سوى على 300 دولار سنويا أو أقل ” (1). لاشك إذن أن الوضعية الاجتماعية والاقتصادية للبلاد قد تدهورت في بداية الثمانينات نتيجة لعوامل داخلية، وأخرى خارجية ، وهو المتغير ، أقصد العامل الخارجي ، الذي أهمله واتربوري كليا مادام يفترض أن السياسة المغربية تصاغ من الداخل .

هكذا إذن بدأ الغليان داخل المدن الكبرى بداية الثمانينات ، ” وهددت المركزيات النقابية بالقيام بإضراب عام ، ثم قامت cdt بتوجيه نداء لهذا الاضراب يوم 20 يونيو ، بعد الإعلان وبتوصية من صندوق النقد الدولي عن الزيادة في المنتوجات الأساسية التي تدعمها الدولة ( السكر والدقيق والزبدة، ) وقد شهدت مدينة الدار البيضاء اضطرابات وأحداث عنف تذكر بتلك التي جرت في مارس 1965 (2). الملاحظ إذن هو دخول فاعلين سياسيين جدد هم التنظيمات النقابية التي لم يوليها واتربوري الأهمية التي أولاها للأحزاب ضمن النسق السياسي المغربي، فلقد أجمع كل الباحثين على دور الكونفدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد الجهوي للشغل التابع للاتحاد المغربي للشغل، بالبيضاء في تحريك الأحداث سنة 1981 ، والتي كان سببها المباشر هو رفع الأسعار من طرف الحكومة، تطبيقا لتوجيهات المؤسسات المالية الدولية. كما أن مجال التحرك سيصبح هو الأحياء الهامشية ومدن الصفيح حيث الفئات المهمشة التي وفدت مع الهجرة القروية والتي لم تظهر نتائجها إلا في هذه الفترة. كما نجد بأن هذه النخبة السياسية “الجديدة”، ممثلة في القيادات النقابية قد انتقلت هذه المرة من الدفاع فقط إلى الهجوم ، رغم أن المطالب بقيت ” إصلاحية و”خبزية ” ولم يكن الصراع حول الوصول إلى السلطة أو حتى إسقاط الحكومة، بل فقط الضغط عليها لتغيير سلوكها.وبالتالي ” فقد استجابت الحكومة جزئيا لتلك النداءات بإقدامها على تخفيض حجم الزيادات المعلنة ب 50 في المئة ، وعلى إثر ذلك طالب المجلس الوطني للكنفدرالية الديمقراطية للشغل بالإلغاء الكلي للزيادة في الأسعار داخل أجل لا يتعدى سبعة أيام . وفي 15 يونيو قررت cdt خوض إضراب عام لمدة 24 ساعة في مجموع التراب الوطني وحددت له يوم 20 يونيو(3) . ومن جهته دعا الاتحاد المغربي للشغل- الاتحاد الجهوي بالبيضاء- يوم 16 يونيو إلى خوض إضراب عام بالبيضاء يوم 18 يونيو ، وفي هذا اليوم نفذت النقابتان الإضراب العام بالبيضاء ، وفي اليوم الموالي خرجت مظاهرات منددة بالحكومة فبدأت الاعتقالات .

عرف الاضراب يوم 20 يونيو نجاحا كبيرا بانخراط التجار الصغار والحرفيين وعمال النقل والبلديات والبريد والسكك الحديدية …” وبعد العاشرة صباحا أجبر المتظاهرون حافلة على التوقف، الشيء الذي جعل قوات الأمن تتدخل بقوة ، وفي نفس اليوم أخذت هذه القوات مواقعها … وبدأت قوات الأمن تجوب الأزقة والأحياء، تطارد المارة وتعتقل كل من وجدته في طريقها، وشوهدت ثلاث مروحيات تحلق في أجواء المدينة “(4). لقد أصبحت مدينة الدار البيضاء مسرحا مفتوحا للمواجهات بين قوات الأمن والجيش من جهة والمنتفضين من جهة أخرى. كما أن الأحداث بدأت تتطور بشكل دراماتيكي ، ” وفي حدود الخامسة مساء بدأت عملية مسح المدينة وتصاعد استعمال الرصاص . وحسب بلاغ صادر عن وزارة الداخلية ، خلفت الأحداث ستة وستين قتيلا وتم نهب 7 محطات بنزين و 12 صيدلية ومصنعين وعمارتين ، و23 مكتبا بنكيا و 54 سيارة و 54 حافلة نقل عمومية “(5) .والملاحظ أن عنف المتظاهرين اتجه إلى مالكي وسائل الإنتاج من جهة ، وإلى الدولة أي مالكة وسائل القهر والإكراه من جهة أخرى. إن المشغّلين سواء كانوا الدولة أو القطاع الخاص هم المسؤلون في نظر المتظاهرين عن رفع الأسعار وتفقير الكادحين والعمال والحرفيين، كما استغلت النقابات هذا الغضب الشعبي لتحسين موقعها التفاوضي مع الدولة وتحسين مستوى معيشة منخرطيها والطبقة العاملة عموما…أما أعداد الضحايا فلم تسلم من الاختلاف حسب الجهة المعلنة لها، لتمتد من العشرات إلى المئات !!! لكن الأهم هنا هو أن تحريات “هيأة الإنصاف والمصالحة ” أوصلتها إلى أن هذه الأحداث قد حصدت أكبر عدد من الضحايا من كل الاحتجاجات الاجتماعية في المغرب المستقل حيث وصل العدد الى 114 قتيل حسب التقرير(6) .كما نلاحظ بأن الهيأة المذكورة لم تفصّل كثيرا في نوع المحتجين ولا أعدادهم ، ولا في الجهة التي أصدرت الأمر بإطلاق النار و إدخال الجيش إلى المدينة وعسكرتها، لكن المؤكد هو أن كل الفاعلين بما فيهم الملك نفسه ، قد أقروا بدور النقابة الفتية آنذاك في تحريك وتأطير وتعبئة شرائح اجتماعية ربما لم يسبق لها التعبير عن مواقفها سياسيا، كما يدل على ذلك اعتقال واحتجاز قيادات هذه النقابة بالجملة على ضوء تلك الأحداث ، بل والمحاكمات التي كان النقابيون متهمين فيها. إضافة إلى ضرورة الإشارة إلى أن الدولة قد استخدمت كل الوسائل المتاحة لها لتكسير الإضراب لكنها فشلت فشلا كبيرا تجلى في نسبة المشاركة القياسية في الإضراب في مختلف القطاعات، إلى حد حوّل البيضاء إلى مدينة “مشلولة ” يوم الإضراب. وذلك رغم حالة التأهب ومحاصرة القيادات الجهوية للنقابة في كل المدن الكبرى.

لقد كانت الكونفدرالية الديمقراطية في نزاع مع الحكومة حول عدة مطالب أهمها إقرار السلم المتحرك للأسعار والأجور، واحترام الحريات النقابية. وذلك قبل إقرار الزيادات في الأسعار ، والتي كانت النقطة التي أفاضت الكأس.و تجلى ذلك الشد والجذب بين النقابة والحكومة في حرب المذكرات والبلاغات والبيانات الصادرة عن هذه الجهة أو تلك ، وهو ما يعني بأن أحداث البيضاء قد جاءت في أجواء مأزومة اقتصاديا واجتماعيا ومشحونة سياسيا بين النقابة وحزب الاتحاد الاشتراكي من جهة ، وأحزاب “اليمين” التي كانت في الحكومة آنذاك من جهة أخرى. وبالتالي لا غرابة أن تمتد تلك الاحتجاجات سنة 1984 إلى عدة مدن أهمها الناظور والحسيمة وتطوان…أما بخصوص الحزب فيمكن أن نقول بأنه قد كان مرغما على دعم نقابته ، وهو ما تجلى في دعوته السبّاقة للحكومة إلى التراجع عن الزيادات وذلك فور إقرارها ، وكان ذلك في بيانه ليوم 31 ماي 1981 أي بعد أيام قليلة على قرار الحكومة. وفي 7 يونيو أصدر المجلس الوطني للنقابة بيانا أهم مطالبه ” إلغاء الزيادات وفتح حوار حول الملف المطلبي النقابي “، كما صرح باستعداد النقابة للتحرك إذا أصرت الحكومة على قرارها ، محمّلا إياها مسؤولية ما قد يترتب عن ذلك. وقد تكرس دور الفاعل النقابي في توجيه الأحداث في الشارع بانخراط النقابات الفرعية ، في تأطير الإضراب والتعبئة له ونقصد النقابة الوطنية للتجار الصغار والمتوسطين ، والنقابة الوطنية للتعليم العالي والاتحاد الوطني للمهندسين والاتحاد الوطني لطلبة المغرب... ورغم محاولات الوزير الأول آنذاك “المعطي بوعبيد” تكسير الإضراب وتهديد المضربين في بيان ألقي على أمواج الإذاعة الوطنية مهددا المضربين بالمحاسبة ليلة الإضراب، فقد اشتعلت الأحياء الشعبية في البيضاء مثل الحي المحمدي وسباتة وسيدي البرنوصي، بالتوازي مع نجاح الإضراب العام في أكبر المدن المغربية.لذلك لا غرابة أن يتهم بيان لوزارة الداخلية يوم الإضراب الاتحاد الاشتراكي ومركزيته النقابية “بالتحريض على العنف وبالعجز عن تأطير الاضراب ” . وذلك رغم أن المركزية النقابة أكدت أنها لم تدع للتظاهر وأن قادتها حوصروا واعتقلوا وخاصة القيادة الوطنية ، كما منعت صحافة الحزب باحتلال جريدة ” المحرر” بل واعتقال رئيس تحريرها، لقد منعت النقابة إذن من القيام بدورها حسب هذا الرأي.

لا توجد أي وثيقة رسمية أو متفق عليها تصف ما وقع وتحصر عدد الضحايا وحجم الخسائر وصحة المسؤوليات في إعطاء الأوامر للتدخل القمعي ، حيث نفي مثلا وزير الداخلية الراحل إدريس البصري مسؤوليته عن ما سماهم ” شهداء كوميرة “. وخاصة ما نسب له من إعداد” مقابر جماعية” قائلا : “ ثم عن أي مقابر جماعية تتحدث ؟ أين هو الدليل ؟ إنه لأمر سخيف . يأتون بتقرير لنسف كل المؤسسات الملكية وكأن المغرب كان أرضا جرداء خاليا على عروشه لا توجد فيه لا عدالة ولا برلمان ولا جيش ، بإمكان أي كان أن يأتي كعنترة بن شداد يقطع الرؤوس ويذبحها ويسلخها ثم يدفنها في قلب مدينة كبيرة كالدار البيضاء ، إنهم فعلا صغار“(7) . كان هذا هو رد البصري عن تقرير هيأة الإنصاف والمصالحة حول هذا الحدث ، أما تفسيره للاحتجاجات ، فقد جاء منسجما مع خطاب الحكومة بل وحتى الملك نفسه ، فحسب البصري “ في عام 1981 قامت حكومة ائتلافية ترأسها المعطي بوعبيد ممثل الاتحاد المغربي للشغل ، وفيها محمد بوستة وزير الدولة ووزير الخارجية زعيم حزب الاستقلال ، وأحمد عصمان من الحركة الشعبية والحزب الوحيد الذي كان خارج الحكومة هو الحزب الاشتراكي المعارض… كان المغرب يواجه ظروف اقتصادية صعبة بالإضافة إلى الجفاف…استغل الاشتراكيون تلك الظروف لتحريك الشارع ضد السلطة وحثوا الناس على إحراق مدينة الدار البيضاء” (8). وهذا التوصيف كما قلنا هو الذي ورد على لسان الملك في عدة مناسبات بعد الحدث، خاصة في خطابه ليوم 24 يونيو 1981 ، والندوة الصحفية التي عقدها ، ومضمونه باختصار أن الدولة تعترف بوجود مشاكل اجتماعية صعبة كما تعترف بالحق في التظاهر السلمي، وبحق الإضراب رغم أن الأولية يجب أن تكون للحوار ، إلا أن هذا الخطاب الرسمي من جهة مقابلة قد وصف الفئات التي قادت تلك المظاهرات بشتى النعوت، إنها مخربة ومارقة وخارجة عن القانون ، وذلك لتبرير القمع الذي حصل والمحاكمات التي تمت بل والدماء التي سالت والمعتقلات التي امتلأت بالمعتقلين من كافة الاعمار…

ودون التعمق أكثر في سرد ما وقع ننتقل إلى التحليل ، لنتساءل : هل يمكن تفسير هذا الحدث وفق النموذج الانقسامي كما طبقــــّه جون واتربوري على النسق السياسي للمغرب المستقل؟؟

نعتقد بأن الانقسامية كما طبقها هذا الباحث تكشف عن جزء من نقائصها لما يتعلق الأمر بفهم أحداث العنف السياسي عموما ، وذلك مادامت تؤكد على فرضية الجمود الملازم للبنيات ، والذي لا يكون التوتر ضمنه إلا استثناء. ومن جهة أخرى نلاحظ صعوبة اعتماد نموذج واتربوري التفسيري لفهم أحداث البيضاء 1981 لاعتبارات عديدة سوف نشير إلى أهمها فقط لضيق المجال هنا.

تعتبر قرارات الحاكمين ، باعتبارها سياسة، مخرجات للنظام السياسي والذي يستدمج مجموعة من المطالب ومن أشكال الدعم من المحكومين كمدخلات، مما يجعله يبحث عن التكيف معها عبر عملية feed –back أي مراقبة أثر تلك القرارات على المستهدفين بها. ويضمن نسق سياسي ما استمراره بقدر ما تستوعب سياساته القيم الأساسية في المجتمع، وبقدر نجاحه في توفير فرص الحصول على الموارد والمشاركة في السلطة لأوسع الفئات الاجتماعية. لكن تلك المطالب لا تأتي من الداخل فقط ودائما. بل قد يكون مصدرها الخارج، سواء دول أو مؤسسات، تدخلا طوعيا أو قسريا، وخاصة مع سيرورة الانفتاح التي شهدها العالم باطراد في النصف الثاني من القرن العشرين، وتلازم التدخل مع آليات الديون والمساعدات والاستشارات ” الملزمة “.

لقد كان مفروضا على المغرب تبعا لذلك اتخاذ عدة قرارات سياسية واجتماعية واقتصادية نتيجة للضغوط المالية والتجارية التي رافقت تكريسه للخيار الليبرالي كتوجه اقتصادي، وخاصة بعد أزمة السبعينات وانعكاساتها على البلاد.وهو ما يجعل من فرضية واتربوري حول ” صياغة السياسة المغربية من الداخل” تتعرض للاهتزاز. وذلك لأن إدخال المتغير الخارجي في اللعبة السياسية الوطنية قد يخلط الأوراق، بل قد يقلب تفسير أسس استقرار النظام السياسي رأسا على عقب، كيف لا وأحد المنظرين اليساريين يعتبر المستعمر الخارجي أهم دعامات استمرار واستقرار النظام القائم آنذاك (9). لقد كانت الأزمات الاقتصادية مؤثرة سلبا على المغرب نتيجة انفتاحه على الخارج ،فتدخلت المؤسسات المالية الدولية لفرض قرارات أدت في بداية الثمانينات إلى تفجير الغضب الشعبي، مما يعيد العامل الاقتصادي إلى الواجهة بعدما تجاهله واتربوري.

ومن زاوية أخرى يلاحظ بأن المجال الحضري قد أصبح ميدانا للصراع السياسي بامتياز ، فالتحضر والتمدين العشوائي الناجم عن الهجرة والنمو الديمغرافي … قد خلق فئات اجتماعية تعيش على الهامش في كل شيء تقريبا، مما يعني تحول المجتمع إلى النموذج التراتبي على الأقل إن لم نقل الطبقي، خاصة مع تحوله نحو التحضر المتزايد، وهو ما ستستغله النقابات لتعبئة مجموعة من الفئات التي طالما غاب صوتها السياسي ، ونقصد العمال والحرفيين والتجار الصغار والطلاب والفلاحين والطبقة الوسطى عموما ، وهي الفئات التي عادت ما تطلق عليها الأدبيات الاتحادية ” القوات الشعبية“، والأهم في نظرنا أن عامل التماسك بين هذه الفئات لم يكن ” طبيعيا”، أي على أساس الدين أو النسب أو المجال الجغرافي، وهي العوامل التي تحدد الفصائل الأساسية كما يصفها واتربوري، ولا كانت هذه الفئات من نوع تلك ” الفئات المتآلفة” كالأحزاب والنقابات ، رغم إقرارنا بدور الاتحاد الاشتراكي ونقابته في الأحداث ، لأن الأمر يتعلق في الواقع في نظرنا ب”حركة اجتماعية ” وهو براديغم جديد لم يكن متداولا خلال فترة إنجاز بحث واتربوري أصلا. إن ما جمع هؤلاء و أولائك إذن هو وحدة الهدف والذي يمثله الدفاع على مستوى عيشهم برد فعل غاضب وعنيف ضد التهديد الذي مثله إعلان الرفع من الأسعار وذلك دون نكران دور الفاعل النقابي كمحرك للشارع ومفاوض بإسمه مع السلطة المركزية.

إن ما يضمن استمرار النسق واستقراره إلى جانب “توازن العنف” هو “آلية التحكيم” ، والمنوطة حسب واتربوري بأمير المؤمنين الذي يعتبر فوق الجميع ، لكن نلاحظ من الحدث الذي نحن بصدده أن الملك لم يتدخل كوسيط بين الحكومة والمعارضة لتخفيف التوتر، بل دعم وبرر استخدام القوة لفرض قرارات الحكومة ، مما جعل من الأمن والجيش يحل محل “التحكيم” الذي كرسه الشرف وامتلاك “البركة” في عهود سابقة، وبه نلاحظ أن هاتين الدعامتين أي الشرطة والجيش قد نجح النظام في توظيفهما لإعادة النسق إلى سكونه وجموده بعد كل توتر قد يهدد تماسكه واستمراره ، ولضمان عملية إعادة الانتاج المستمرة بما هي غاية في ذاتها بالنسبة للنسق السياسي خصوصا والاجتماعي عموما.

هكذا، ومن تحليلنا للمقدمات النظرية وافتراضات الانقسامية خلصنا إلا أن تلك النظرية قد وُضعت لمحاولة تفسير أسس استقرار الأنساق الاجتماعية القَبلية أو النَّسبية عموما، والتي شكلت النقيض السوسيولوجي والتاريخي للمجتمعات الغربية ” العضوية “، كما لاحظنا أن المجتمع المغربي ، لاعتباره نموذجا لذلك النوع من المجتمعات، قد شكل نقطة جذب للعديد من الباحثين الانتربولوجيين الأجانب ونخص بالذكر دافيد هارت وريمون جاموس وارنست غلنر وأخيرا جون واتربوري. وتعتبر أطروحة هذا الأخير حول النسق السياسي المغربي باكورة الأبحاث الانقسامية حول المجتمع المغربي.

وعند فحصنا لإمكانية الاستعانة بالنموذج التفسيري كما بلورته أطروحة واتربوري لفهم وتأويل حدث الاحتجاجات الاجتماعية وما تخللها من عنف دامي، واجهتنا عدة صعوبات، فلم تعد القرارات السياسية تصاغ من الداخل ولا ظل أمير المؤمنين والأحزاب السياسية هم الفاعلون الرئيسيون داخل النسق، لقد دخلت فئات طالما اعتبرت خارجه أو على هامشه، وذلك كنتائج لترسخ نمط الانتاج الرأسمالي بمشاكله الاجتماعية وضحاياه ،كما أن تخفيض “التوتر” والعودة بالنسق إلى سابق “سكونه وجموده” لم يتم وفق آلية “التحكيم”، لقد كان ” العنف المشروع” أو “غير المشروع” الذي مارسته الشرطة والجيش لبسط سلطة المركز هو الدعامة التي حفظت للنسق السياسي استقراره. وفي الأخير يمكن القول بأن تلك الأحداث قد أرخت في المغرب لظهور ما يسمّى ” بالحركات الاجتماعية الحضرية ” والتي أصبحت تخوض احتجاجات مطلبية كلما توفرت أسبابها الذاتية والموضوعية والتي أصبح الداخل فيها مرتبطا عضويا بالخارج خاصة مع زيادة انفتاح المغرب ودخوله في سيرورة العولمة …

الهوامش :

  • مغرب الاستقلال 1955 2005 – محاولة تركيب www .rdh50.ma ص 15

( 2) نفسه ص 16

(3) هيأة الانصاف والمصالحة ، التقرير الختامي – الكتاب الرابع- مقومات الانصاف والمصالحة – 30 نونبر 2005 ص 47

(4) نفسه ص 48

(5) نفسه ص 49

(6) نفسه ص 63

(7) حوار ادريس البصري مع جريدة الشرق الاوسط بتاريخ 22/ 2/ 2006 http://www.alquds.co.uk/data/2006/02/02-22/a18.htm

(8) نفسه

(9) المهدي بن بركة، الاختيار الثوري في المغرب ، دفاتر وجهة نظر ع 22

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.