أتى أمر الشقاق، فلا تستعجلوه…؟

أشهر قلائل تفصل إقليم الرشيدية عن الاستقلال الرسمي من جهة مكناس تافيلالت و التربع على عرش الجهة الجديدة تافيلالت درعة. لكن المسألة لم يستبشر بها كثير من أهل الرشيدية، فلطالما رغبوا أن يتغنوا أكثر بانتمائهم للجهة الكبيرة حيث القرار الحكيم و الخيرات المتدفقة من كل جانب، كفانا توهماً فالأمر لا يتعلق بسائل أصفر يفرغه الوالي في كؤوسنا المنعنعة و يشرب معنا نخب الرغد المستطير.

   ليسَ لعاقلٍ أنْ ينفي الروابط الوطيدة التي تجمع منطقة تافيلالت بمدينة مكناس و الحواضر الكبرى، لكن ماذا يجني الفقراء و المستضعفون من مصاحبة الكبار و الأغنياء ؟ اللهم أشلاءً من خبزٍ متعفن ينثرونه علينا و نفحةً من كرامة نتنفسُها نحن المستصغرون بوجع و مرارة. ليس لأحد منا أنْ ينسى أنَّ الجهة التي لم تتردد يوما في تهميش مناطقها العميقة هي الجهة نفسها التي تجتهد في جلب ما لذ و طاب من عجائب المخترعات و غرائب المبتكرات لحواضرها، و ترصد الملايين الطائلة لتؤَمن إقامات الكبار في رحلات استجمامهم.

و لعل الأنكى من ذلك أن تجد أقاليم حديثة العهد كانت في وقت مضى جزءا لا يتجزأ من إقليم الرشيدية قبل لعنة العقوق و الانفصال، فقَدِموا بوهن عظامهم و طراوة لحمهم إلى الحياة السياسية إلى أن بلغوا ما بلغوا من مجدٍ و سلطةٍ كإقليمي ورزازات و ميدلت. بل و بلغ بهم المقام إلى أن يصبحوا أهلا للتباري حول حلم السيادة و الريادة حتى كاد الكيل أن يطفح لهم لولا أن شفعت لنا النخبة السياسية.

ربَّ قائل قدْ يقُول إنَّه من غير الصواب أن نتحدث عن قسمة عادلة للخيرات في ظل تفاوت الاحتياجات و الأولويات، فنجيب أنه من العيب و العار أن نزكي الحياة الكريمة للذين اتخذوا من المدن الكبرى ديارا لهم في الجهة العتيدة، في الوقت الذي تتخبط فيه المناطق النائية في وحل الفقر المذقع و الحياة الدونية.

و لك أن تقوم بجولة في عمق الجنوب الشرقي لترى ما هم عليه الآن، لكأنّ سفراً عبر الزمن زج بك في غياهب الظلمات و سحبك من قرون عديدة لترى ما يتكبده بعض الناس في الألفية الثالثة، دُورٌ و قصورٌ طينية لا تكاد تجد فيها ماءا و لا كهرباء، و نساء يقضين وقتهن في عراكٍ مع شقاء الجبل لجلب ما تيسر من حشائش للبهائم و حطبا للطهي و التدفئة. و إن سألت عن رجالهم أخبروك أنهم في رحلة غياب لا يعودون منها إلا في المواسم الدينية أو عند حدوث طارئ.

 للحظةٍ يتساءلُ المرء، هلْ يتحمل الضعفاء هاته العيشة في صمت و سكون دون اكتراث من أحد ! آثم في دين الإنسانية من مرَّ على هذه المناظر دون أن يهتز له خاطر أو يخفق له خافق. في الواقع جميل أن تجد سياسيو اليوم يتهافتون عن اهتمامهم بهاته الشرائح و عن مشاكلها، فتلك فضيلة ما بعدها فضيلة، لكنها فضيلة تتم على مستوى الأفواه لا الأفعال طلبا لمرضاة صناديق الاقتراع يوم الحساب. و مذهل كذلك أن ترى من يسمع الشكوى و يضمد الجراح و لو في خطبة سياسية، لكن أتراه عهدا جديدا يعِد بالمسرات أم هو تهافت مُتَهافتٍ يطلب البيعة لشعب لا يجيد اللعب في دواليب السياسة ؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.