‘أبو نهب’ وأمسية أمستردام

ـ توقف عن الكلام، لا نريد سياسة هنا … لا سياسة هنا.

يصرخ رجل جالس في المقاعد الأمامية للمسرح ويكرر جملته هذه الى أن يحقق هدفه. فقط بعد مرور وقت قصير عن بداية العرض الذي شارك فيه بزيز مع ثلة من فنانين هولنديين من أصول مختلفة.

شخصيا، كنت قد أنهيت نصا جديدا، لكن النتيجة لم ترضيني. أبحث الآن عن موضوع آخر يناسب عمودي وأنتظر فكرة تأتيني. أتحسر عن كل يوم يمضي ولا أكتب فيه شيئا. يجعلني أفكر في اللاشيء الذي يطوف بي ويطوقني بسلاسله، أفكر في دوامة فراغ تبتلعني وتزرع في داخلي من بذور العقم ما يجعلني أتعطل عن القلم، أنا الذي أحب أن أبدع وأنتج.

لكن اليوم سيزورنا الفنان بزيز. اليوم لن يذهب إذن سدى.

 لا تربطني أية علاقة مع الفنان بزيز. لم استطع يوما أن أتابع عروضه وأفهمها كلها، لكني وأنا أسمع قصصا عن الحصار الذي طوق كل عروضه، قررت أن أحضر. وأكثر من هذا أن أشجع أيضا أصدقائي على الحضور لتشجيع الفن المحاصر أو المحظور.

ـ أهلا ‘الكازاوي ديالنا’، هل ستذهب اليوم الى عرض بزيز؟

ـ لا يا صديقي، بزيز ‘مابقاش تايعجبني’، حوته ميتة، هو كان أيام زمان. ما يقوم به الآن تهريج فقط. الكل يتغير إلا هو. لو كان الحسن الثاني لا يزال حيا لذهبت معك… محمد انتظر سأعطيك بعض الأسماء، فنانون ‘واعرين’  ستموت بالضحك.

ـ ألو…عمر؟ أهلا بك. أعرف أنك تحب المسرح وأريد أن أخبرك أن اليوم هنا عرض لفنان من المغرب اسمه بزيز. فنان كبير من عيار نجيب أمهالي أو أكثر

ـ مهما يكن. من العربية لا أفهم إلا: كيداير، مشحال تاتسوا، منين جيتي، فين ماشي، يالله أجبد لوراق…، لو كان العرض بلغة أخرى لذهبت، لكن العربية تسبب لي حرقا في الرأس. لا أريد كوابيسا في نومي هذه الليلة، أعتذر لك.

ـ أهلا صديقي الوجدي..

ـ آه لو كانت لدي خمسة عشرة أورو ….أتعرف ماذا تساوي؟ ماذا قد تفعل بها.. ‘جوج دلقراعي دروج من داكشي الواعر، جوج د الفركات  مع القطعة ديالو، من داك اشي الكابط (كاف بثلاث نقط)

****

عند باب المسرح يقف رجلان مسنان يتسولان الزائرين التبرعات لبناء مسجد. مقدم العرض يحكي لنا:

ـ التقيتهم في الباب يجمعون التبرعات للجامع، قلت لهم: لكن مالي ليس بالحلال، فردوا علي:

ـ غير أعطينا لفلوس أو كون هاني ، غانخلصو بها لمقدم‘.

المسرح امتلأ عن آخره. فنان سورينامي ينحدر من مستعمرة هولندية بجنوب أمريكا يأخذ الكلمة:

ـ أريد أولا أن أخبركم. البارحة صرت أبا لصبيين، قل براحة شبه توأمين، لم يخرجا الى هذا العالم في وقت واحد ولا متتابعين.. الصمت يسود القاعة بعد الاستماع الى شيء يشبه اللغز، ويتابع الكوميدي: إنهما ولدا في يوم واحد…  من أمين.

أمستردام مدينة عالمية وتأوي أكثر من مائة وثمانية وسبعون جنسية لتحتل رأس قائمة المدن العالمية. إنه تحدي كبير أن تخلق نظاما تتعايش فيه كل هذه الجنسيات في وئام وتسامح فيما بينها. الكوميدي يبدأ بتلك الأحكام المسبقة المتداولة عن كل جنسية. يذكرها ويصورها لنا في صورة ضخمة ويبالغ في النفخ فيها حتى يتجلى لعيوننا مدى الهراء والعبث الذي يسكنها

فنان هولندي آخر يحكي لنا عن صديقه المغربي:

ـ كل مرة يأتي صديقي الي ويشتكي لي. يقول لي أنه إن تأخر فلا يتجرأ حتى على الجري والركض في المدينة لأن الكل سيظن أنه لص سرق شيئا ما. فنصحته مرة وقلت له:  إن أردت أن تجري، فافعل واجعل البسمة ظاهرة على وجهك. مرة رأيته يجري وأسمع المرأة بجنبي تقول: انظر.. أنظر.. لقد سرق شيئا وأكثر من هذا فهو فرح وفخور بفعلته.

عرض الكوميدي الهولندي جوبه بالصمت  الذي ساد وحط بجناحيه الثقيلتين على أطراف القاعة والفنان يحاول أن يمارس حرية الكلمة ويمطط من حدودها بتسمية الأشياء بأسمائها: نكحتها… فيغض الحاضرون أبصارهم وتضع النساء يدا ممسكات بالابهم والبنصر جنبات جبيهن في حشمة ظاهرة. أتجاوز حدود الحرية التي نصبوا بكلنا اليها؟ لماذا هذه التلقائية في الصدق والصراحة بطريقة تهجمية مباشرة فضيعة.

خلافا للهولندي ففناننا بزيز لم يستطع في عرضه أن يتفوه بمثل هذه الكلمة رغم جرأته المعهودة في الأمور السياسية. إنه أخذ طريقا طويلة وملتوية ليوصلنا نفس الصورة. كان عليه لتحقيق هذا أن يقوم بجهد عسير،أن يستحضر  أولا قصة الكرسي والقابع عليه لعشرات السنين حتى أن الكراسي اختنقت أنفاسها وما عادت تتحمل أكثر فتبدأ ثورتها على الحكام  أمثال ‘أبو نهب’ لينتقل بزيز بلسان ناقد لاذع الى قصة التيـجيفي السريع والقطار البطيء حيث التقى رجل بامرأة وتبادلا الحديث وربطا علاقة بينهما وناما وحتى  ملابسهما شوهدت وهي منشورة على حبل الغسيل، وحينما وصلا الى المحطة القادمة،  خرجا ومعهما طفل قد ولد أثناء السفر الطويل الطويل.. النكاح كأشياء كثيرة من مجتمعاتنا كلمة تدفع بنا الى أخذ أدوار مصطنعة من الحشمة والخجل، حتى الدين لم يستطع أن يمر مرور الكرام حول نبل حشمتنا المصطنعة فجاء بقاعدة رسخها أولا فينا قبل تناول الكلام في ما نربطة بالفضيحة: ‘لا حياء في الدين’. ولأن الدين ليس بمجال اهتمام بزيز فقد حولت القاعدة الى ما يلي: لا حياء في النقد والسياسة.

ـ توقف عن الكلام، لا نريد هنا سياسة.

هذه الجملة أربكت باشا شرق امستردام ذي الأصول الريفية ليختزل الكلمة التي كان يريد أن يلقيها في كلمة ترحيب مقتضبة. الرجل الذي لا يحب السياسة وصرخ في وجه الباشا لم يصرخ طول العرض في وجه بزيز. عرض ‘أبو نهب’ فن بعيد عن السياسة.

أنا لا زلت ابحث عن موضوع لعمودي وأنتظر فكرة تأتيني، لكن لا شيء. أيكون منبع إلهامي قد جف؟ أم يريد فقط أن يحثني على التركيز وأن أترك مهمة النص وأستمتع بالعرض.

ـ أنا أسكن في حي لا تستطيع فيه حتى مداهمة منزل بشكل لائق ومحترم ونبيل، فما أن تدخل المنزل حتى تجد من سبقوك

ـ كنت أفرح حين أحصل على عقاب من معلمة، الجلوس في الركن جنة لا يتشابه مع ضربات أمك الخانقة للصوت والأنفاس ب’التييو‘.

ـ الطفل الهولندي تأمره أمه كعقاب بأن يذهب الى وغرفته حيث يوجد تلفازه وحاسوبه وأشياء أخرى للعب وينفرد بنفسه. أما أنا فمغربي. مرة غضبت أمي وأرادت عقابي: إذهب الى غرفتك قالت. إنها اندمجت جيدا في هذا المجتمع كما يبدو لي قبل أن أصحح لها: لكن أمي، أنا ليست لدي غرفة، أتقصدين أن أخرج الى الشارع أم الى الشرفة؟

ـ شكرا على التصفيق..

 يرد الفنان الريفي على الموجة الصاخبة التي أحدثها في القاعة عند بداية الأمسية.. شكرا و يصرخ Fuck you في وجوه الحاضرين..ليربك الكثيرين

ما هو الفن؟ ماهي الحرية؟ ماهي حدودها؟ لماذا نرفع سقف السماء ونطول الأرجاء ونبني قصورا لكلمة وللأخرى نبني سجونا أو نحفر لها قبورا؟ لم لا نترك الكلمة الأخيرة للمتلقي في القاعة ليتقبلها أو يصيح بدوره في وجهها:  Fuck you

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.