آفاق ومعيقات تحقيق الصحة النفسية

لا تكتمل الصحة بدون الصحة النفسية

إن تحقيق الصحة النفسية بمختلف عناصرها ، و تكيف الفرد مع ظروف و متغيرات بيئته الاجتماعية، يؤدي به إلى تحقيق التوازن النفسي في إشباع حاجاته الاساسية من جهة، ومن جهة أخرى محاولة منه تكيف و تعديل سلوكه. هذا الإشباع، التكيف و التعديل يثير عدة من المشاكل والمتغيرات النفسية – الإجتماعية التي يواجهها الفرد بنوع من التفكير والانفعال و التهور ومختلف أنواع السلوكيات .

فإذا كانت تلك التغيرات شديدة لدرجة خارجة عن إرادة النفسية للفرد على التكيف معها أو تعديلها، فإن مؤشرالإصابة بالمرض النفسي سيكون حاضرا ، وبالتالي عدم التمتع بالصحة النفسية . لهذا فإن عملية تعزيز الصحة النفسية للفرد و للمجتمع الذي يعيش فيه ، يتوقف على استراتيجيات كثيرة ترمي جميعها إلى التأثير بصورة إيجابية في الصحة النفسية. وتنطوي تلك العملية، شأنها شأن جميع عمليات تعزيز الصحة، على اتخاذ إجراءات نمائية ، وقائية أو علاجية تسعى إلى تهيئة ظروف العيش والبيئة المناسبة لدعم الصحة النفسية . و من أهم الاجراءات الإستعجالية التي يجب إتخاذها في هذا الصدد نذكر منها :

– نشر مبادىء الصحة النفسية وتوعية الفرد والمجتمع بأهميتها على جميع المستويات، وذلك عن طريق المدرسة و وسائل الاعلام المختلفة .

– توفير الخدمات النفسية_الاجتماعية في المستشفيات، المصحات، المدارس، المعامل، المراكز الاجتماعية ومراكز توجيه الأسري، التربوي والمهني.

– إجراء المزيد من البحوث العلمية حول الاضطرابات النفسية_الاجتماعية ، أسبابها و الوقاية منها و علاجها .

– إنشاء المؤسسات المتخصصة للقيام بالدراسات حول تطور الصحة النفسية في مجتمع واقتراح الخطط والبرامج الكفيلة برعايتها وتطويرها، فالصحة النفسية لا تهم فقط القطاع الصحي، بل تهم جميع القطاعات بدون استثناء.

معيقات تحقيق الصحة النفسية

بالرغم من الأرقام والإحصائيات المخيفة التي رصدتها المنظمة الصحة العالمية حول نسبة انتشار الأمراض النفسية في الدول النامية ومن بينها المغرب ، إلا أن هذا القطاع الصحي مازال يعاني من مجموعة من العراقيل التي تساهم في عدم تشخيص وعلاج العديد من الاضطرابات النفسية أو الوقاية منها في المغرب . ومن بين أهم هذه العراقيل و المعيقات في تحقيق الصحة النفسية نذكر منها :

– إرتباط المفاهيم الشائعة و الخاطئة عن المرض النفسي في مجتمعنا بالجنون والحمق ،أدى بالناس إلى العزوف عن زيارة العيادات النفسية.

– إهمال الناس علاج الأمراض النفسية والاهتمام بعلاج الأمراض الجسدية فقط.

– الممارسات التربوية من قبل الاسرة التي تبتعد كثيرا عن الاسس الصحة النفسية الصحيحة، بممارستها القسوة ،التسلط، الاهمال ، والحماية الزائدة .

– خفاق المنظومة التعليمية في بلورة وتحقيق شخصية صحية و متكاملة تجاه شخصية الطفل من الناحية الجسمية ،النفسية والاجتماعية ، أدى إلى اضطراب العلاقة بين الطفل والمدرسة من جهة ، وبين المدرسة والأسرة من جهة أخرى.

– عدم مراعات وسائل الاعلام للفروق الفردية و الإجتماعية ، فمثلا البرامج التلفزيونية العدوانية والمخيفة لها تثير كبير على شخصية الطفل مستقبلا ، وقس على ذلك من البرامج أخرى .

– عدم تلبية الاحتياجات الأساسية للفرد وانخفاض المستوى المعيشي، يجعل الفرد يحس بالنقص، الإحباط ،الصراع أو الكبت ، كل هذا يؤدي بالفرد الى إصابته بالأمراض نفسية .

وكما سلف ذكره ، إذا كانت تحقيق الصحة النفسية هي قدرة الإنسان على الشعوربالسعادة وإيمانه بقيمة الحياة وتكوين علاقات صادقة مع الآخرين. فالصحة النفسية ليست أمرا معزولا عن مجمل الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل ذات علاقة قوية بها، تتفاعل مع تطورها وتتدهور بتدهورها، ومن الصعب مثلا، و في غياب الاستقرار و الأمن الحفاظ على مستوى مقبول من الصحة النفسية.

لهذا فإن الصحة النفسية ليست أمرا ثانويا أو غير ذي تأثير، بل أضحى الاهتمام بها يزداد يوما بعد يوم و بأهميتها البالغة في سعادة الفرد واستقرار المجتمع. كما اهتمت المنظمات الدولية بالصحة النفسية، وحثت على رعايتها من قبل الدول والهيئات والأفراد. فاختارت منظمة الصحة العالمية سنة 1992 اليوم العاشر من شهر أكتوبر من كل عام كيوم للإ حتفال بها .

ترقبوا في الحلقة القادمة ” علم الصحة النفسية ومناهجه “

*مساعد نفساني ومرشد بيداغوجي بطنجة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.