محمد السقفاتي يكتب: إلى روحك الطيبة أيها الجميل ..جمال أوفتيح

محمد السقفاتي

اتصل صديقي (م) بي ذلك اليوم ورتبت على الفور موعدا معه بهدف تبادل الأفكار حول الحراك الذي مضى اكثر من اسبوع على انطلاقة شرارته الأولى بالريف على إثر مقتل الشهيد محسن فكري، أحسبه من اقرب الاصدقاء خصوصا من نصوصي التي اكتبها وسأعترف لكم باني تلقيت منه تشجيعا وتحفيزا كبيرا منذ بداية مساري الإبداعي. كثرما كان (م) يزودني، ليس بالفكرة والمادة الخامة التي أنسج حولها نصي فحسب، بل حتى في بنية النص ستجد بصمته مطبوعة. لم ارتح لهذا الامر الذي جعلني احس بنوع من الحرج وشكل سببا في ان يعتريني ذلك الشعور بذنب ما ارتكبته اتجاهه … وكأني قصرت كثيرا في حقه. كثيرا ما طلبت منه الموافقة على وضع اسمه جنب اسمي تحت تلك النصوص التي كانت تتدفق بغزارة ، لكنه يرفض: لا لللعب في مثل هذه الأمور الجادة.. وحده اسم الكاتب يستحق ان يذكر .. وكفى

عندما رحل عنا صديقنا شاشا محمد قبل شهور، اتصلنا ببعضنا .. تبادلنا التعازي وكلمات المواساة ثم قال: والآن … ولأنه لا يوجد قلم أقرب الى صديقنا من قلمك، فإني أترقب منك أنت، أنت بالذات … ان تكتب نصا جميلا.. وسننتظره..

لم يرق لي الأمر وابديت اعتراضي على الفكرة تحت مبررات عدة لم يدعني ان اذكرها لانه فهم المبدأ ووافقني الرأي. إنما شأن الكتابة صعب، ويصعب اكثر كلما كان موضوعها ( في هذه الحالة: الشخص ) اقرب من الذات الكاتبة. نفس الصعوبة ستجدها ايضا عندما لا يكون قد مر وقت كافي على الواقعة التي يتمحور حولها النص وعلى الدهشة أو الصدمة – سيان- التي سببتها للكاتب وقلمه. تصادف موعدنا في مقهى المركز الثقافي Podium بامستردام الغربية مع تنظيم الأكراد لنشاط في أحد مراققها، وبينما كنت أعبر عن رأيي في الحراك الفتي المدهش وصديقي يستمع بجدية ويتابع ما تنبس به شفتاي، فإذا به يلحظ تجمدهما المباغت وتوقفهما عن الحركة. لم يكن السبب في هذا أقل أو أكثر من دخول كردي تواجدت فيه أوجه التشابه المتعددة مع صديقنا الراحل شاشا لا من حيث القامة والهندام ونوعية الملابس التي ارتداها وتلك القبعة بالذات التي كان يضع شاشا مثلها على رأسه، بل حتى في الفوضى التي تميز اللحية ولون الشعر، كان الكردي يتقاسمها مع صورة الفقيد . التفتت حينها الى صديقي، ” انظر بسرعة… شاهد ذلك الشخص.. يا عجباه كم يتشابه الناس”

وكم تمنيت في تلك اللحظة التي عدنا فيها الى موضوعنا، لو كان قد كتب لصديقنا ان يحيى مدة أطول… ليس طويلا طويلا، وإنما فقط كي يتسنى له ان يشهد هذه اللحظة البهية من الحراك ويرى كل هذا الاتحاد وهذه الروعة في الالتحام بين لحمة الأخوة في الريف… ثم بعدها فليكن ما يكون.

تأملنا مشهد الرجل في خشوع وغصنا عميقا في التفكير والشعور… وساد صمت رهيب ولم يصحو تفكيري الا عندما سمعت صديقي الذي شغل شريطا يبث مسيرة الحسيمة وهو يهتف بحسرة: – يا ليت شاشا لا يزال على قيد الحياة فيرى بأم عينيه ما يصنعه الرجال والنساء في الريف.. أليس هذا الذي يتجسد الآن في الواقع ما كان ينشده ويحلم به؟ إن عيش لحظة واحدة من هذا الحلم يكفي.. فلتأت الموت بعدها… وليكن ما يكون..

وتابع بعد ان طلب مني الانتباه والاستماع الى ما سيقوله : – هذا هو السحر بعينه .. اللحظة يا محمد… هذه هي اللحظة بالنسبة للكاتب واحلف لك انك لن تجد أجمل كتابة وابهى نص من الذي سيتمكن من الإمساك والقبض على .. – هذه اللحظة، قلت

عاد الصمت ليخيم على جلستنا لينتشلني من قعره العميق كلام أشبه أن يكون مونولوجا من جديد: – معك كل الحق صديقي … ليس بالكاتب من يأخذ القلم وسط الحدث ويكتب. الكاتب من يقتنص الفرصة الذهبية مثل هذه اللحظة … واحسرتاه … انا لست بكاتب. لو كنت أجيد مطاوعة الحرف لكانت ” اللحظة ” بالنسبة لي هي التي تلت انتهاء عطلتي لهذا الصيف . أول شيء كنت اقوم به عندما أعود من الريف، التوجه الى شاشا، وانت على علم بالأسباب وظروفه التي جعلته لا يدخل المغرب، كنت ارتب معه موعدا تلو الموعد فأخبره عن الريف وأنقل اليه الوضع ومستجداته بالدقة والتفصيل، تماما كما أن بصيرا يخبر أعمى مصورا له اللقطات والمشاهد.. ناقلا اليه جميع ما التقطته عيناه. هذا الصيف شعرت فيه لأول مرة بشيء غريب جدا..كانت تلك هي لحظتي.. طبعا لو كنت كاتب.. بل سأعطيك هنا والآن كلمتي مرة اخرى وأعدك اني سأكتب حول ” لحظتي” ولا تستخف بقدراتي. – كف عن هذا الهراء الذي اسمعه كل مرة.. انت لن تكتب شيئا .. وأنا لن افعل مكانك.. ولا ترميني بهذه النظرات .. اعرف ما يدور في ذهنك واية مغامرة تريد ان تزج بي فيها هذه المرة.

مضت ايام عديدة على هذا الموعد وكان النشطاء يستعدون للتظاهر امام السفارة المغربية بلاهاي في اطار المشاركة في الحراك ودعمه من خارج البلد. كان اليوم سبتا وتوجهت الى امستردام الجنوبية، وكنت قد استقبلت البارحة مكالمة من طرف صديقي (ج. ك) استفسرني فيها عن برنامجي وعرض علي بعد علمه عزمي على المشاركة، مقعدا في سيارته. كالعادة وكما تعودت عليه في مثل هذه المناسبات، تكلف (ج. ك) بمهمة التنظيم اللوجيستيكي والسهر على جمع العازمين على المشاركة في المظاهرة في نقطة حددها. وصلت الى عين المكان في الوقت المحدد. وبينما كان صديقنا منشغلا بالاتصال مع المتأخرين وتوزيع الحاضرين على السيارات المتوفرة للسفر والتنقل الى لاهاي، اذ بي اسمعه يذكر اسم جمال أوفتيح وأخبرنا بأنه هو ايضا سيشارك ووجه بعدها الكلام للشخص الذي سيقله في سيارته.

مباشرة انتشر بين الحضور الهمس غير المسموع بوضوح وكذا الكلام البين الواضح. فهناك من أراد التأكد من صحة الخبر، وهناك من عبر عن استغرابه حد الإستنكار، وهناك كذلك من أقلقه الأمر وعبر عن عدم طمأنينته. – هذا جنون بعينه – لو بقي في مكانه لوفر عنه هلاك السفر واتعابه – الناس لا يسافرون وهم في حالة مثل حالته – في حالته سيشكل ثقلا وعبئا علينا لسنا في حاجة اليه . في تلك اللحظة تسللت من شفتي ابتسامة ماكرة تعبيرا عن سروري وفرحي وتلقائيا وجدت ذهني يعود بي الى الموعد الأخير واستحضرت المحادثة تلك التي اجريناها حول ” اللحظة” وحول شاشا والتمني المستحيل .. ثم صحت : نبأ سار هذا .. جميل جدا .. هذا رائع اذا شارك معنا جمال اوفتيح

التقط صيحتي الصديق (ل. ط) الذي تكلف بمهمة تنظيم تنقل جمال وطلب مني فورا مرافقته في سيارته.

وصلنا الى المرقد الذي أمضى فيه جمال اوفتح أخر ايام حياته… المرقد نفسه الذي لفظ فيه قبله شاشا أيضا آخر انفاسه.

أبهج هذا الامر جمال اوفتيح جدا عندما رآني. تبادلنا بعض الكلام وأنا أساعد في تهييئه للتنقل. في تلك اللحظة وفي الأخريات التي تلت، كان ينشب صراع حاد بداخلي؛ انه صراع الأحاسيس حيث يبذل كل إحساس على حدة قصارى الجهد لضمي في احضانه: من جهة كان الحزن الشديد للحالة الصحية المتدهورة لصديقي، ومن جهة اخرى كانت الغبطة … ذلك الفرح العارم للمقاومة التي يبذلها والعزيمة الفولاذية التي أبداها لأجل أن يشارك. وقتها أخذ بي إلحاح باطني على ان اكتب شيئا مهما يكن. وعندما اشتد الصراع اكثر، التقطت صورة لجمال أوفتيح وفي السيارة طلبت إذنه: – كتبت تدوينة قصيرة حول هذه اللحظة وأرفقتها بالصورة التي التقطتها منك، أردت تخصيصها لللأصدقاء في الفايسبوك إن لم يكن هناك اي اعتراض منك طبعا.

– افعل بكل فرح

– أو … ربما أفضل أن تنتظر حتى تنتهي المظاهرة، قال (ل. ط)

– لن أفعل.. هذه التدوينة خصصتها للمظاهرة، فكرة رؤية جمال واللقاء به ربما ستساعد مترددا كي يحسم أمره ويهم للمشاركة، . مددت اليه بهاتفي قصد التطلع على صورته وعلى الحروف التي كتبتها قبل نشرها، للموافقة.

كنت أتابع نظراته وهي تهجي الحروف، ليس لأستبق الأمور وأعرف موافقته من عدمها قبل أن يدلي بها، وإنما فقط لأجس نبض مدى امكانياته الصحية في فعل ذلك. رمقت حالة تردد على محياه وعندما أقدم على اعادة قراءة التدوينة تدخلت: – يمكن لي أن أقرأها عليك ان صعب عليك الأمر. نظر جمال الي مبتسما:

– لا زلت أقدر على القراءة، فأنا مقاوم لا أعرف الاستسلام.. ما كتبته في حقي هو جميل جدا وأشكرك على ذلك، لكن ما لم يعجبني في التدوينة هو هاته الكلمة: طحن_مو.

رأيي، وهو لا يلزمك بشيء طبعا، هو أنه من الأفضل الاستغناء عنها. إنها ليست لغة الأحرار، بل لغة المخزن والحضيض، لغة الإهانة والاستعباد.. ظننت ان جمال لم يتمكن من متابعة المستجدات على الساحة بسبب حالته الصحية، وشرعت في تبرير استعمالي لها: ورغم ذلك ف طحن_مو صارت عنوانا لهذا الحراك، لذلك لا يمكن الاستغناء عنها

– ورغم كل ذلك ف طحن_مو، تبقى لغة مخزنية: بقدر نضالنا ضد المخزن بقدر نضالنا ضد استعمال مثل هذه اللغة… لغته.

نشرت التدوينة كما كانت، ليس لأني لم أوافقه الرأي، وليس عنادا ونحن نعلم كم هم الكتاب عنيدون، بل فقط لأن تدويناتي لا أكتبها كجمع مفكك، بل كمجموعة تفاصيل متراصة، إن سقطت كلمة واحدة منها، سقط بقية البناء.

وصلنا وحط بنا السفر رحاله على بعد قليل من السفارة المغربية وكان المتظاهرون في مسيرة ، لم نتمكن إلا من رؤية ذيلها نحو الساحة التي ستحضن التظاهرة، لكن من خلال صدى الشعارات التي ترفع التي يعكسها جدران البنايات استخلصنا أن الحضور فيها جيد.

ما إن رتبنا مكان جمال في كرسيه المتحرك، وزخات مطر خفيف تسقط تباعا، فكرت في مظلة.

– ما نسيناه هو أن نأخذ معنا مظلة، قلت

– حتى أنا لم أفكر فيها إطلاقا.. قل لي: من سيفكر في مظلة وهو قادم على الحضور في محطة نضالية مجيدة كهاته.. المطر لن ينال منا شيئا يا صديقي ورفيقي محمد، قال

– لا تهتم.. سنحصل على واحدة في المظاهرة .. أو سأنزعها من أول شخص أصادفه. دفعت الكرسي بسرعة أمامي لنلتحق في أسرع الوقت، الشيء الذي لم أفلح فيه كثيرا بسبب استوقافي كل مرة من شخص ما يريد القاء التحية.

كان الجو غائما… والمطر ينهمر زخات .. والشعارات التي تصدر من مظاهرة لم نعد نرى منها شيئا، تملأ أسماعنا.. صدحها يزداد كلما اقتربنا أكثر . صبرا قليلا رفيقي، سننعطف هناك يمينا ونكون قد وصلنا، بقي فقط أن نتجاوز ذلك الركن .

وكان ما كان.. فمباشرة بعد الانعطاف لتظهر أمامنا المظاهرة كاملة في صورة واحدة أخذنا نفسا عميقا وكأننا تنفسنا الصعداء. أمام عيني بدت المظاهرة غريبة شيئا ما، ساحرة كثيرا كثيرا، وكأنها آخر مظاهرة سأشارك فبها… استدركت احاسيسي بعدما أدركت في الحين انها ليست عيني أنا ما أنظر وألتقط بها روعة المظاهرة. كنت قد “انتعلت أحذية جمال ودثرت نفسي بجلده”.

– كمٌّ هائل هذا الذي أراه أمامي، شكرا لكم كلكم أصدقائي، إن هذا بالنسبة لي كحلم أراه يتحقق. آه يا محمد لو تعرف كم هو رائع هذا. يكفيني ان أشارك معكم… وتوقف بغتة عن الكلام … وبينما كان الصمت قد بدأ يجثو على محادثتنا، رددت كلمات في نفسي دون ان احدث صوتا وكأني أتمم جملته، لأسمع مباشرة صداها ينبعث من حنجرة جمال:

– فليكن بعدها ما يكون، فلتأت متى شاءت.

تفوه بالكلمات وكأنها لا تعني كثيرا ولا يهم حتى معناها. بعدها رفع يده ووضعه على ذراعي ليمرره بجنان نزولا حتى قبضة يدي ليرفع عينيه الي. وكانت حينها مقلتي الفوارتين قد فتحتا منفذا صغيرا من كلا الجهتين في جدار مقاومتها السميك، لأشهد على دمعة حارقة أو بضعة منها تنفذ الى الخارج وتتدحرج حامية على خدي.. رفعت وجهي الى السماء ربما لتشر دعوة صادقة صافية في سرمدها الغائم. وربما فقط لأمارس مكري مرة أخرى في حياتي وأتحايل على سيل الدمع عبر إغراقها في أو بين قطرات المطر وزخاته وهي تسقط باردة على وجهي ثم تتدحرج كما الدمع: حامية فكرت وأنا أرى جمال يبتسم ويغض بصره كما لو أنه في حالة خجل، أن سيل الدمع هذا لم يكن بسبب المظاهرة والمشاركة فيها … لم يكن بسبب حضور جمال ومشاركته… لم يكن حتى بسبب لمسته… بل كان الحرقة الحرقة نفسها…تلك الحرقة… حرقة الوداع الأخير.

ابتسم لي وشد للمرة الأخيرة ضمة يده على قبضة يدي.. وقشعريرة انقبضت يدي بدورها القابضة على يد الكرسي… والكرسي تحرك.. تحرك أكثر وهو يندفع اماما ليأخذ مكانه في بطن المظاهرة وبجانبه كل تلك الأرجل الواقفة، تلك التي تندفع من تلقاء نفسها أماما…أماما… بكل إصرار وتفاؤل… حتى ماضي “الحكرة”… حتى مستقبل الوطن، قبرها: وطن المستقبل… وطن النصر.. ذلك الوطن الذي ناضل لأجله كل هؤلاء الراحلون الشرفاء الطيبون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.