مآل الجامعة المغربية …دكتوراه بحجم نزوة أستاذ جامعي

لا يكاد يمر موسم جامعي من دون أحداث وخسائر مؤسفة، اعتقالات في صفوف الطلبة بالعشرات تحت طائلة تهم قديمة جديدة.
مع انطلاق الموسم الدراسي الجامعي تبدأ رحلة معاناة الطلبة الملتحقين بالجامعات المغربية، والمنحدرين أغلبهم من قرى ومناطق نائية، بحيث تظل هذه الجامعات فرصتهم الوحيدة لمتابعة دراستهم العليا، والتي أضحت كلاسيكية ومضيعة للوقت في نظر زملائهم المحظوظين بهذا البلد التي تفتح أمامهم خيارات عدة.
احتجاجات الطلبة بالجامعات المغربية تنطلق مع بداية كل موسم جامعي ولا تخرج عن مطلب السكن والنقل والمنحة على هزالتها، ثم تنتهي باعتصامات مطالبة بالحق في التسجيل بأسلاك الماستر والدكتوراة التي أصبحت مرتعا للفساد والمحسوبية من قبل المشرفين عليها من أساتذة وإداريين.
حصة الطلبة المسجلين أضحت ضئيلة أمام الطلب المتزايد من قبل الباحثين عن شهادات أكاديمية وبكل الطرق، تلميعا لواجهتم المهنية، فعوضت سلطة المال والعلاقات النافذة الاستحقاق المعرفي في انتقاء المرشحين، آخرها وليس أخيرها ما حصل في موضوع تسجيل الوزير الشوباني في سلك الدكتوراه واحتجاج الطالبة المنافسة له بخصوص الموضوع المتبارى عليه.
حكت لي صديقة تقدمت لمباراة الانتقاء للتسجيل بأحد أسلاك الدكتوراه، وبعد مجهود الطالبة في إعداد مشروع بحثها المقترح من أجل إقناع لجنة الامتحان براهنية موضوعها، كانت مقابلة اللجنة شكلية ولم تمنح الفرصة لإثبات أهليتها وكفاءتها للخوض في البحث العلمي.
بعد أيام سيتصل أحد أعضاء اللجنة المشكلة من الأساتذة المشرفين بالطالبة مزفا لها خبر قبولها في سلك الدوكتوراه، مقترحا شخصه للإشراف على بحثها، مع وعد بمستقبل وردي ينتظرها. وقبل أن ينهي الأستاذ السخي جدا مكالمته، أخبر الطالبة على أنها ما زالت تنتظرها مقابلة خاصة سيختار”الأستاذ المشرف على البحث العلمي “مكانها قبل التوجه نحو الإدارة من أجل استكمال إجراءات التسجيل.
هكذا ترك خبر نجاح الطالبة المرهون بنزوات أستاذ جرحا وصدمة، بدد كل حلمها بدكتوراه لم يعد من منفذ لها غير جسدها، عندما أختصر الأستاذ المشرف على لجنة الامتحان كل مسارها العلمي للطالبة في جسدها المشتهى للحظة، فخلصت هذه الأخيرة للاقتناع بلا جدوى دكتوراه تأتي على محمل سرير.
ظلت الجامعات المغربية الحصن الأخير الذي قاوم ولمدة الانهيار الشامل للمنظومة التعليمية بالمغرب، حيث ساهمت التقاليد والقيم العلمية المتراكمة لعقود عدة خاصة بالجامعات العريقة، ومن دون تبخيس دور ومساهمة نقابة التعليم العالي المهمة ، لعب “الإتحاد الوطني لطلبة المغرب” المنظمة الطلابية الممتدة عبر تاريخ المغرب المعاصر دور كبيرا في الحفاظ على المكانة العلمية التي احتلتها الجامعة المغربية سابقا، وفي لعب دور الرقابة والتفاعل الحضاري المنتج، تمثل في الدفاع عن جودة التعليم ومجانيته لكل أبناء الشعب المغربي، والوقوف ضد كل المشاريع التي استهدفت التراجع على هذا المكسب الشعبي الثمين، من سكن جامعي وإطعام ومجانية. دون الحديث عن دور هذه المنظمة الطلابية في الصراع السياسي العام بشكل أقلق النظام ودفعه لحلها واجتثاث مناضليها خلال محطات عدة من التاريخ السياسي المغربي.
هذه المنظمة كانت أوسع من إطار نقابي، وكانت مدرسة حقيقية جسدت بعض قيم وأحلام مناضليها بفضاء الجامعة المغربية، حتى باتت تنعت بعض الجامعات بجمهوريات فاضلة معزولة ومتعالية عن محيطها، لها دستورها الخاص الحاضن لكل القيم النبيلة التي تنشد العدالة والتضامن والحرية، مع نبذ كل مظاهر الفساد والغش والتحرش.. ، وبات كل ملتحق بفضاء الجامعة الرحب يتشرب من القيم الجميلة، ويصاب بمس الاهتمام بالشأن العام، وتبقى جل النخب المغربية خريجة هذه المدرسة.
مقاربة الداودي الاصلاحية للتعليم الجامعي لا تعير اهتماما لكل هذا الإرث المشرق بجامعتنا، ولا تهتم لرأي الطلاب في الموضوع، بل تستعين بالفرق الأمنية لدوس واجتثاث حرم الجامعة لكل صوت ما زال متمنعا على الانصياع ومتشبثا ببعض حلم جامعة فاضلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.