فيلم “الريف 1958/59.. تكسير جدار الصمت” ومأزق الانصاف والمصالحة

نظمت جمعية “ثويزا” اليوم السبت 14 نونبر بقاعة تابعة لاحد الفنادق بطنجة عرضاً لفيلم “RIF 1958/59 BRISER LE SILENCE”، وهو أول عرض للفيلم في المغرب بعد أن مُنع من عرضه في وقت سابق .

الفيلم من اخراج طارق الادريسي، ومن انتاج شركة “فارفيرا فيلم”، وبدعم من المجلس الوطني لحقوق الانسان ومجلس الجالية والاتحاد الاوربي، وبلغت مدة الفيلم حوالي 75 دقيقة توزعتها شهادات لأشخاص عايشوا الأحداث، او كانوا قريبين منها، وأيضا شهادات أخرى لأشخاص نشطاء جمعوين وحقوققين وصحافيين وأساتذة باحثين.
الفيلم وترخيص المركز السينمائي المغربي
كان هذا أول عرض للفيلم في المغرب بعد أن منع سابقا من العرض في طنجة والحسيمة والناظور، يوضح مخرج الفيلم أنه لم يكن هناك منع واضح، بل كان هناك ما يشبه التلكؤ والتماطل في منح الترخيص لعرضه من طرف المركز السينمائي المغربي، حيث تقدم بطلب الترخيص لعرض الفيلم، لكن المركز تأخر في الرد على الطلب وهو ما جعل السلطات تمنع عرضه لأنه لم يحصل بعد على ترخيص من المركز السينمائي المغربي.
بعد تأخر واضح، أشّر المركز على ترخيص العرض مع تقديم ملاحظات على محتوى الفيلم، وطلب من المخرج مراجعتها، لكن حسب ما صرّح به المخرج طارق الادريسي جوابا على سؤال لأنوال بريس حول المشاهد التي طلب منه المراكز مراجعتها فإنه لم يقم بمراجعة أي مشهد، وأن ما شاهدناه هي النسخة الأصلية للفيلم.

حول الفيلم

الفيلم هو عمل توثيقي لأحداث الانتفاضة الشعبية 1958/1959 التي كانت مسرحا لها منطقة الريف، وطبعا فتوثيق هذه المرحلة معرض لكثير من التقول والتدليس ورواية الاحداث غالبا بما يخدم موقفا سياسيا معينا أو جهة ما، لذلك فانتفاضة الريف من حيث المادة التاريخية التي تؤرخ لها مازالت لحد الآن شحيحة جدا ولا تبوح بكل الاسرار الكامنة وراء مأساة انطبعت في أذهان الريفين باسم “لعام اقبان” يعني “عام أصحاب الخوذات”، وأصحاب الخوذات هنا كناية على عناصر الجيش الملكي التي ارتكبت مجازر في حق ساكنة المنطقة ما زالت بشاعتها لم تبرح بعد ذاكرة  ضحاياها وأبناءهم.

قام مخرج الفيلم بتشكيل مادتة من الشهادات التي حصل عليها، وكذا توظيف بعص الصور المتخيلة المركبة، وكذا بعض الفيديوهات النادرة والصور الشمسية المأخوذة من أرشيف بعض الجرائد وبعض المؤسسات.

ورغم أن الفيلم قدّم شهادات عفوية وجريئة استطاعت أن تقرّب المشاهد من عمق الأحداث، إلاّ أنه شابته بعض النواقص، التي لو تم تجاوزها لأعطت للفيلم قوة أكثر من حيث نجاحه في احاطة المشاهد بأجواء هذه الانتفاضة وما اعتمل فيها،  فمثلا لو عمل الفيلم على إدراج شهادات أخرى للأشخاص الذين عايشوا الأحداث وعاشوا ويلاتها لأعطت للفيلم نفساً سردياً جامحاً يقرّب المشاهد بصدق من السؤال : ماذا حدث؟ غير أن المخرج ارتأى أن يمزج بين نوعين من الشهادات؛ شهادات لأشخاص عاشوا وعايشوا الأحداث واكتووا بنارها، وشهادات لأشخاص مهتمين بالأحداث من جانب حقوقي أو جمعوي أو مجال البحث العلمي، وكان البون شاسعا بين كلا الشهادتين، الأولى كانت عفوية وصادقة وأكثر حميمية وقدرة على ترجمة المشاعر الانسانية المكتوية بنار الفظائع التي ارتكبت حينها، والثانية كانت أكثر ديبلوماسية وأكثر تحوطاً في الحديث عن الأحداث، حتى كان المشاهد وهو يتفرج الفيلم يحس بنوع الاهتزاز ويشعر بنوع من النشاز عندما ينتقل من شهادة فاعل جمعوي إلى شهادة ضحية من ضحايا الأحداث، لذلك، نظن لجمالية الفيلم ولقيمته كان من الأجدر، لا أقول أن يقتصر على شهادات الضحايا، ولكن أن تكون لها حصة الأسد من مادة الفيلم، ويمكن ادراج شهادات المهتمين من باب الاستئناس ومن باب توضيح بعض التفاصيل التي آتت على لسان الضحايا.

كما أن الشهادات التي تضمّنها الفيلم لم تشمل كل المناطق التي شهدت الأحداث وعايشت فظاعتها، بل اقتصر على مناطق بعينها، وهو أمر أرجعه المخرج إلى عدم تجاوب الناس لتقديم شهاداتهم، فما زال لحد الآن هناك تخوف من الانتقام، ومازال الناس الذين عايشوا الأحداث لا يثقون في التطمينات التي تلقى على مسامعهم، وهو ما ظهر جليّا بشكل عفوي عندما قالت احدى النساء الضحايا لطاقم الفيلم في لحظة ارتباك وقد ظهر عليها عدم الارتياح في البوح، فتوجهت الى طاقم الفيلم قائلة : “كَانِّيوْ أَوْرَاذِي  يَسَّكِّيشْخُومْدْ رْمَخْزَنْ مَا؟ “( أبنائي، هل أرسلكم المخزن أم ماذا؟)، اذ ما زالت ذاكرة هذه المرأة تحتفظ بأن المخزن “غدّار” لا يستأمن جانبه، فبعد 55 سنة ما زال المخزن ينطّ من لاوعيها وقد يشهر وحشية عقابه من جديد وهو ما جعلها تطرح هذا السؤال.

أحداث الريف 58/59 ومأزق الانصاف والمصالحة

إن من يشاهد الفيلم سيلاحظ مفارقة صارخة في اعقادنا تشكل هاجساً حقيقياً لمفهوم العدالة الانتقالية وعمل هيئة الانصاف والمصالحة كما يروّج لها المخزن، اذ لوحظ أن المهتمين بالموضوع الذين أُدرجت شهاداتهم في الفيلم، كلهم أجمعوا على أنهم لا يطالبون بمعاقبة ومحاسبة من كان مسؤولا عن الأحداث وأنهم لا يحملون أي حقد لمن قام بتلك الفضائع وكانوا يتحدثون بارتياح وهدوء، بيد أن شهادات الضحايا رفضت رفضا قاطعا فكرة مسامحة  من أقدم على هذه الفضائع، بل كان جوابهم يحمل نوعا من الاستنكار لأن يطرح عليهم سؤال المصالحة، بالنسبة إليهم هذه القسوة والوحشية لا يمكن القبول بها والمصالحة معها دون حساب، جلّ شهادات الضحايا أجمعت على أنه إذا لم يكن هناك حساب ومعاقبة الجناة في الدنيا فنحن لن نسامح يوم القيامة أمام الله، وهنا يُطرح السؤال العريض: مع من تتصالح الدولة؟ مع الضحايا الحقيقيين أم مع من ينصب نفسه متحدثا باسمهم؟ إن أرادت الدولة أن تُعمل مبدأ الانصاف والمصالحة فلتقصد هؤلاء الضحايا وتعمل على ردم اثار الانعكاسات النفسية التي ما زالت لصيقة بهم، وليس غريبا أن كل الضحايا لم يستطيعوا أن يحبسوا دموعهم وهم في لحظة بوح لما ارتكب في حقهم ومورس عليهم.

قيمة الفيلم

أما بالنسبة إلى الفيلم عموما فهو تجربة جيدة وغير مسبوقة نظير الجرأة التي حملتها الشهادات، ويعتبر في نظرنا من أحسن المواد التوثيقية التي قدمت حول الأحداث، لا أنكر أنني شخصيا قرأت كثيرا حول ما كُتب عن الموضوع، واستمعت إلى شهادات مباشرة لما وقع، لكن، لا أنكر أيضا أن الفيلم من خلال شهادات الضحايا التي قدمها والطريقة التي قدمها بها جعلتني أشعر وكأنني عايشت المرحلة بسبب الحميمية التي كانت تتحدث بها الشهادات، وكذا لمنسوب الصدق الذي كان ينزّ منها، وهذا يُحسب لطاقم الفيلم الذي جعل الضحايا يتفاعلون معه بشكل سلسل وعفوي، واستدرجهم إلى البوح دون تخوف، وهو ما لم يكن حاضرا، مثلا، في الشهادات التي قُدّمت في جلسات الاستماع التي نظّمتها هيئة الانصاف والمصالحة قبل 10 سنوات.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.