دفاعا على استقلالية القرار الحزبي ورفضا للابوية السياسية

خالد أوباعمر

تعرض الأمين العام لحزب الاستقلال، حميد شباط، خلال هذا الأسبوع لتشبيح سياسي غير مسبوق في التاريخ السياسي المغربي مند حصول المغرب على استقلاله إلى غاية اليوم، بسبب تصريح قال فيه أن موريتانيا تعد تاريخيا جزءا من المغرب، وهذه حقيقة تاريخية يعرفها الموريتانيين بما في ذلك  قيادة الحزب الحاكم في موريتانيا الذي وجد في تصريحات الأمين العام لحزب الاستقلال فرصة مواتية للتحريض عليه، لاسيما، وأن هذا الحزب كانت له مواقف تاريخية حول الوحدة الترابية للملكة مند عهد الزعيم علال الفاسي رحمه الله.

لا شك أن الأمين العام لحزب الاستقلال، حميد شباط، تحدث في موضوع تجاوزه الزمن، ولم يعد السياق الإقليمي ولا الدولي يسمح بإعادة اجترار الكلام السياسي حوله ولو بخلفية الاستفزاز، ولاشك أيضا، أن تصريحه تم استغلاله من قبل خصوم الوحدة الترابية للملكة، لصب المزيد من الزيت على نار العلاقات الملتهبة بين المغرب وموريتانيا، مند المحاولة الانقلابية الفاشلة ضد الرئيس الموريتاني الحالي.

لكن، هل يحق لوزارة الخارجية المغربية التهجم على أمين عام حزب سياسي بسبب تصريحات لا تلزم الدولة رسميا في أي شيء؟ هل يحق لأمناء الأحزاب السياسية المعادية لحزب الاستقلال إصدار بيانات استنكارية ضد تصريحات أمين عام حزب سياسي؟ متى كان للأحزاب السياسية المغربية أي دور في المجال الدبلوماسي الذي يعد مجالا محفوظا لرئيس الدولة بشهادة عدد من الفاعلين الحزبيين؟ متى كانت الدول الديمقراطية تحتج على تصريحات أمناء أحزاب سياسية لا علاقة لها بالحكم ولا هي ممثلة في الحكومة بأي منصب حكومي؟

الهجمة الشرسة التي تعرض لها الأمين العام لحزب الاستقلال، حميد شباط، من طرف، الأحزاب السياسية المعادية لحزبه السياسي، والرافضة لمشاركته في الحكومة المقبلة، عبر بيانات سياسية مفضوحة، ووزارة الخارجية التي أصدرت بلاغا سرياليا، والإعلام الرسمي للدولة والآخر المسخر من قبل جهات معلومة، وجدت في تصريحات الرجل فرصة مواتية لتصفيته سياسيا بكل الوسائل، هجمة مخدومة  ومحكومة بحسابات السياسة الداخلية أكثر مما أنها محسوبة بحسابات السياسة الخارجية التي عادة ما يتم تصريفها عبر قنوات دبلوماسية رسمية داخل البلد وخارجه، حاولت كل الأطراف تبريرها بتصريح شباط الذي اعتبر ضد المصلحة العليا للبلد !!

لماذا نقول هذا الكلام؟

كما هو معلوم في العلاقات الدولية، وفي مجال السياسة الخارجية والعمل الدبلوماسي على وجه التحديد، فإن الدولة لا تكون مسؤولة دبلوماسيا أمام غيرها من الدول بسبب تصريحات فاعلين غير دبلوماسيين وليست لهم أي صفة رسمية.

 ولهذا فإن الموريتانيين كانوا أذكياء على المغاربة عندما احتجوا من خلال بيان صادر عن الحزب الحاكم وليس عن طريق رئاسة الدولة أو وزارتها الخارجية في بادئ الأمر، لأنهم يدركون أن  مجال السياسة الخارجية في المغرب مجالا محفوظا لرئيس الدولة، ويدركون أن التصريحات لم تصدر عن وزير للخارجية أو عن دبلوماسي مغربي أو عن رئيس للحكومة.

إذن لماذا الاعتذار إلى موريتانيا مادام أن التصريحات صادرة عن فاعل حزبي لا هو مشارك في الحكومة ولا هو وزير فيها ولا هو مستشار للملك ولا هو دبلوماسي؟

لا نبرر تهور الأمين العام حميد شباط، ولا نلتمس العذر لتصريحه الذي لا يخرج عن نطاق البوليميك السياسي، ولكن عندما نقرأ بلاغ وزارة الخارجية المغربية السريالي، ونرصد بيانات الأحزاب السياسية، و خرجات رفاق شباط في الحزب الذين يعرفهم المغاربة حق المعرفة لوسائل الإعلام، وتصريحات أخنوش والعنصر ونبيل بن عبد الله على هامش اللقاء الأخير برئيس الحكومة المعين، نستشف أن هناك قرار جاهزا لتصفية الأمين العام لحزب الاستقلال، حميد شباط، سياسيا عن سبق إصرار وترصد، ليس حبا في موريتانيا، أو انتصارا للمصالح العليا الكبرى للوطن كما تم الترويج لذلك، بل لأن هناك أطراف تريد معاقبة شباط على اصطفافه إلى جانب حزب العدالة والتنمية، وعلى مواقفه  السياسية ضد أدوات التحكم سابقا وحاليا، والعارفون بخبايا السياسة، يدركون أن الحرب على شباط  انطلقت قبل أن يدلي بتصريحه الأخير حول موريتانيا.

في تقديري الشخصي المتواضع، لو لم يكن رأس حميد شباط مطلوبا للقطف، لما تم تهويل تصريحاته بخصوص موريتانيا، وهي التصريحات التي يمكن إثبات تاريخيتها بأكثر من وسيلة إثبات. كما أن الغضب الموريتاني المعبر عنه في بداية الأمر من خلال البيان الذي صدر عن الحزب الحاكم في موريتانيا، كان بإمكان المغرب امتصاصه ببلاغ من سطرين للخارجية المغربية، تؤكد فيه على أن تصريحات حميد شباط حزبية ولا علاقة لها بالموقف الرسمي للملكة على اعتبار أن حميد شباط أمين عام لحزب سياسي لا يتحمل أي مسؤولية رسمية في الدولة  التي تبقى لها قنواتها الرسمية لتصريف مواقفها الدبلوماسية وسياستها الخارجية في علاقتها بمحيطها الدولي والإقليمي..

التاريخ حافل بالوقائع المماثلة التي تم التعامل معها بأسلوب مغاير من طرف دول صديقة، ولا بد في هذا السياق، من الاستشهاد بواقعة تهم المغرب، حيث سبق للملكة المغربية – استنادا للتدوينة التي نشرتها المدونة والناشطة الحقوقية المغربية، فتيحة أعرور، في صفحتها بموقع التواصل الاجتماعي فايسبوك- “أن استدعت السفير المغربي في السنغال احتجاجا على زيارة زعيم حزب معارض بهذا البلد لجبهة البوليساريو، وحينها لم تعتذر السنغال للمغرب، بل أكدت أن موقف الحزب ليس هو موقف الدولة السنغالية، والطريف أن مجموعة من المثقفين السنغاليين احتجوا على الموقف المغربي واعتبروه دو حمولة استعمارية، وبعدها عاد السفير المغربي للسنغال وعادت معه المياه إلى مجاريها”

إصدار بلاغ عنيف للخارجية المغربية ضد أمين عام حزب سياسي معارض ولا يتحمل أي مسؤولية رسمية في الدولة، ودخول المؤسسة الملكية على خط تصريحه الذي اعتبر معاديا للوحدة الترابية للجمهورية الموريتانية، وتكليف رئيس الحكومة بالذهاب على وجه السرعة إلى موريتانيا لشرح الموقف الرسمي للملكة وجبر خاطر الأشقاء المورتانيين، وتجييش الإعلام الأصفر، والأحزاب الخاضعة والخانعة، والنخبة التي تقدم الخدمة تحت الطلب، أمور تطرح  أكثر من علامة استفهام، حول خلفية هذا الاستنفار، لا سيما، وأن المصالح الإستراتيجية الكبرى للمغرب لا ترتبط بموريتانيا على الإطلاق رغم أنني شخصيا لست من دعاة القطيعة أو الإساءة لهذا البلد الشقيق لاعتبارات يتداخل فيها التاريخي بالديني والجغرافي.

الذين هاجموا الأمين العام لحزب الاستقلال، حميد شباط، بسبب تصريحاته الأخيرة التي لا نتفق حول سياق إطلاقها، مارسوا الوصاية على حزب الاستقلال بطريقة بشعة، ومن دون مراعاة استقلالية القرار السياسي لهذا الحزب الذي أصدر بلاغا أولا رد فيه بشكل لا لبس فيه على بلاغ الحزب الحاكم في موريتانيا، وبلاغا ثانيا قدم فيه الاعتذار للأشقاء الموريتانيين ووضح  السياق الذي جاء فيه كلام شباط.

لماذا إذن يتم الآن الربط بين مصير شباط داخل حزب الاستقلال وبين مشاركة هذا الحزب في الحكومة؟

ما صرح به الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية نبيل بن عبد الله عقب اللقاء الذي جمع بين بنكيران وأخنوش والعنصر دليل قاطع على أن قرار تصفية حميد شباط سياسيا قد اتخذ على مستوى أعلى، وهذا ما أكده بنكيران نفسه الذي ردد عبارة ” الله غالب” في توظيف بشع للدين في السياسة، وأكده من قبل البيان الانقلابي لمجموعة 33 التي يقودها  سي امحد بوستة رفقة ياسمينة بادوا وأحمد توفيق احجيرة وعبد الكريم غلاب، للأسف الشديد !!!

رفض الهجوم على الأمين العام لحزب الاستقلال، لا يعني الانتصار لتصريحات السيد حميد شباط التي تنتفي فيها المسؤولية، بل الغاية منه، هي تحصين الفعل الحزبي والسياسي في المغرب من الممارسات الأبوية والحجر السياسي، لأنه لا معنى على الإطلاق للعبارات المستعملة في بلاغ الخارجية، ولا معنى أيضا للربط التعسفي بين تنحية شباط وبين مشاركة حزب الاستقلال في الحكومة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.