المخزن، إذكاء الطائفية وسؤال الشرعية التاريخية

لقد ثبت أن مخطط الشرق الاوسط الكبير قد نجح في تدمير العراق، ليبيا وسوريا. تم التخطيط، منذ عدة عقود، من أجل الوصول إلى هذه المرحلة التي تحول فيها بلد كالعراق إلى كعكة يتم توزيعها بين مختلف الطوائف على يد العملاء، وبإشراف الولايات المتحدة، فإن ما يجري التحضير له على مستوى مجموعة من البلدان الشمال افريقية يستلزم الوقوف عنده واستخلاص ما يجب استخلاصه. ففي البلدان ذات الأنظمة التابعة كالنظام القائم بالمغرب او المخزن تتلاقى مصالحه في تشتيت وتفكيك وحدة الطبقة العاملة خاصة وتمزيق وحدة الشعب المغربي عامة ليتسنى له التحكم والسيطرة والنهب كما يحلوا له وبحماية سيدتة الامبريالية.

مازالت كلمة المخزن شائعة وراسخة في ذهن اي مواطن مغربي فحتى المناضلين يرفعون في شعاراتهم ” اسقاط المخزن”، كما يحذر اي مواطن عادي من المخزن حيث أن هذا الأخير رسّخ في ذهن كل المغاربة الخوف من ثلاثة أشياء: النار، البحر والمخزن.

تقاليد “التّمخزن” التي تأسست عليها نظام الحكم منذ صعود الدولة السعدية لم تكن يوما تخدم مصلحة المواطن المغربي بل كانت مجرد أساليب نهجها من أجل استمرارية المخزن وبقائه. فعلى مر القرون جنّد الكثير من الفقهاء لخدمة شرعيته الدينية والتاريخية المزورة ليصنع منهم أدوات أيديولوجية تبرر تقاليد الاستبداد، ولبلوغ هذه الغاية سخّر المساجد والزوايا وكل الآليات المتاحة.

وعليه فنظام الحكم المخزني تأسس في غياب اي شرعية وطنية فغايته كانت استمراريته ولو على حساب بيع الوطن وتمزيقه بأكمله للمصالح الأجنبية وهذا ما أدى به إلى تطوير اساليب الخداع إبان الإحتلال الفرنسي والإسباني. فتجده من جهة ينتهج أسلوبا خبيثا يمكن تلخيصه في تدجين النخب السياسية وزرع التفرقة فيما بينها ومخزنتها عن طريق فصلها عن الجماهير. ومن جهة أخرى يذكي الخطاب الطائفي الجهوي واللغوي بتهميش اللغة الأمازيغية والتلاعب بالقضية الأمازيغية واستقواء بعض المطالب الجهوية كمطلب رفع العسكرة عن منطقة الريف الذي يلعب على وتره للحفاظ على منطقة الريف دائمة التوتر.

إن من يحاول أن يوهمنا بأنه يمكن إيجاد حلول سياسية، اجتماعية واقتصادية داخل محيط المخزن المتسم بإذكاء الطائفية الجهوية المتمخزنة وإشعال نار العنصرية في صفوف الشعب المغربي في الوقت الراهن إما يعاني من قصور في استيعاب طبيعة الصراع القائم وبذلك يكون قد قدم خدمة على طبق من ذهب للأجهزة المخزنية أو يتعّمد التفكير من داخل هذه الأخيرة، وليس خارجها كما يحاول أن يقنع بها الآخرين. فليس كافيا أن ترفع شعار إسقاط المغرب والوطن لتكون ريفيا، سوسيا أو صحراويا ثوريا ففي الوقت الراهن ستكون فقط نفذت مخطط المخزن نفسه الذي يستهدف استكمال مشروعه اللاوطني، اللاشعبي واللاديموقراطي الذي رهن كل الثروات الوطنية خدمة لمصالح المؤسسات الاستعمارية الجديدة على حد تعبير الامير عبد الكريم الخطابي.

ليس من مصلحة نظام سياسي يفتقد إلى الشرعية التاريخية أن يلبي حاجيات المواطنين دون التمييز فيهم على أساس اثني أو ديني أو جهوي. فبما أنه مُهدّد في اي لحظة بموجة غضب شعبية ووطنية ستهز أركانه كما بينت ذلك حركة 20 فبراير، يعمل جاهدا وبمكر ميكيافيلي بأن يصنع بؤرة توتر ما لتصريف الأنظار إليها كلما أحس الخطر قد اقترب. وفي هذا الصدد يقول الأمير عبد الكريم الخطابي في رسالته الموجهة إلى الأمين العام محمد حسن الوزاني في قضية الاختطافات السياسية: ” أما كفتنا أربع سنوات في عهد هذا “الاحتقلال” التي رأينا أثناءها كل أنواع العذاب والتمزيق والانحلال أدى إلى تشتيت الأمة إلى شيع وطوائف وفرق تتناطح وتتقاتل، حرصا على المنصب والكرسي حتى يتسنى للانتهازيين والانتفاعيين أن ينهبوا ويستغلوا الأمة من جهة ويمكّن العدو من البلاد أكثر فأكثر؟”

حرب الرايات الذي نراه اليوم يطفوا على السطح كلما ثارت الجماهير للدفاع عن حقوقها ليس من نسج خيالنا أو معطى نختلقه بل واقع يفرض نفسه بقوة نراه أمام أعيننا، فما مغزى هذه الحقيقة إذا؟ فإذا حاولنا أن نفهم الأمور خارج نسق التفكير المخزني فسنجد أنفسنا أمام مُسائلة المخزن في قضية الشرعية التاريخية. كلما في الأمر أن المخزن يعمل جاهدا أن يتخلص من تاريخ المقاومة الذي يفتقده فلذلك ما عليه إلا جهونته وحصاره في بقعة جغرافية ضيقة تخدم استراتيجيته التي تجد تعبيرها السياسي في بديهية واضحة الا وهي فرق، مزق، شتت وكلخ … تسود.

وبما ان الطائفيون، ومن حيث لا يدرون، عندما يسعون إلى تكريس الصراع الطائفي-الطائفي، إنما يعملون على تحريف الصراع الطبقي عن مساره الصحيح. وهو ما يمكن اعتباره أكبر خدمة يقدمها الطائفيون إلى الرأسمالية المحلية، والعالمية في نفس الوقت، لأن تحريف الصراع معناه غياب الوعي، وغياب الوعي، يعني انعدام إمكانية قيام تنظيم نقابي،أو حزبي يؤطر خوض العمال والكادحين للصراع في مستوياته المختلفة، ليبقى الكادحون مستلبين، إلى ما لا نهاية، ليسود تعميق الاستغلال إلى ما لا نهاية. فكأن التاريخ توقف، وبصفة نهائية، عن التطور، وصار واقفا عند مرحلة النظام الرأسمالي العالمي، بفعل النظام الطائفي، الذي يعرقل حركة التاريخ التي تسير على عكس طموحات البشرية في تحقيق الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.