العام الجديد: خواطر بنكهة السياسة

جمال التكانتي

1
“عام يذهب وآخر يأتي،وكل شيء فيك يزداد سوءا يا وطني”،هذه العبارة الدرويشية التي غالبا ما تحضرني كلما ذهب عام واتى آخر،كم تمنيت لو انني استغني عن هذه العبارة واستغني عن كلمة السوء الذي يزداد،لكن للأسف لم يأت بعد ذلك العام الذي يستحق وصفا آخر.
2

وأنا أقضي العام متنقلا بين ضفة وأخرى،بين وطن انجبني،وآخر لجأت الى حضنه،يشدني الشوق إلى المنجب رغم قسوته،ويقسو علي الحاضن رغم رأفته،بين ضفة وأخرى أبحث عن ذاتي،وعن المعنى،اصعد العقبات،وبعد كل وصول للقمة،يبدأ صعود آخر نحو قمة أخرى،قد نصل إليها لنبدأ الصعود الموالي،وقد يدعونا القدر للرحيل لنرتاح من امتحانات هذه المدرسة التي جئنا إليها يوما،والتي لن نكون سعداء فيها إلا إذا عثرنا عن الهدف الذي من أجله جئنا إليها،والحقيقة أنه ليس من السهل العثور عليه،لكن جميل جدا أن ندرك المدخل الذي يؤدي اليه. لذلك فاني لا أتصور معنى لعبارة “سنة سعيدة “خارج فلسفة العثور عن الهدف،وعن الذات والتصالح معها،ولن أخفي سرا ايضا ان قلت أن كل ما تعلمته في مدرسة الحياة لم يملأ الفجوة التي أسعى إلى سدها،رغم أنني أقدر تجربتي وأجد نفسي ممتنا لهذه المدرسة،وشاكرا للحياة التي فيها ما يستحق أن يعاش،لكن الغليل لم يشفى ولا زالت الروح عطشى،فعجبا من الذين يعلنون أنهم انتهوا من البحث عن سر الوجود وامسكوا بناصية الحقيقة.
3
حينما امشي او ابحر، او احلق،واحط على تراب الوطن الام،ينتابني فرح الصغار،كطفل عاد الى دفىء واحضان الأم بعد غياب قسري،وأشعر في نفس الوقت بألم حاد كالذي يصيب الصغار والكبار معا،اتألم حينما أرى أن كل ما توفر لي في الأرض التي عدت منها غير موجود في وطني الام،الحق في العمل أو التعويض عن البطالة،الحق في الصحة والدواء،الحق في التعبير والاحتجاج السلمي،قضاء يرتفع فيه منسوب الاستقلالية،فصل بين السلطات،مؤسسات نابعة من انتخابات نزيهة وشفافة.اتألم حينما ارى المشردين،و”المجانين”ينتشرون فوق الارصفة،وفي المحطات الطرقية.نعم أتألم ألما لا يعرف حقيقته وعمقه إلا إلهي والانسان الذي يسكن بداخلي،لأنهما لا يحتاجان الى هذه اللغة المستعصية والخائنة كواسطة للفهم…
********
4
اعود مرة أخرى إلى بلد اللجوء،فأجده رحيما رؤوفا في جوانب معينة،وقاسيا وهمجيا في جوانب اخرى،حيث أن الأزمة التي اختلقها الرأسمال واسواقه المالية لازالت تلقي بظلالها على طبقة العمال والمعطلين الذين ارغموا على دفع ثمنها،مع العلم أن أغلبية المهاجرين بإسبانيا ينتمون إلى هذه الطبقة ويشكلون الحلقة الأضعف فيها،فهم فئة يتم جلبها من بلدانهم الأصلية خلال أوقات الازدهار في الإنتاج لاستغلالهم كيد عاملة،في نفس الوقت هم أول من يستغنى عنهم أثناء الأزمات والركود،إضافة إلى أن الازمات الاقتصادية هي أرضية خصبة لنمو الحركات المتطرفة والعنصرية التي تتمحور خطاباتها حول معاداة المهاجرين.
********
5
وحينما نتأمل هذا الواقع نجد أن ديموقراطيتهم موجودة في حدود ما يضمن الاستقرار الذي يحتاجون اليه،ليحافظوا على مصالحهم…لكن الأمل مشتعل ومتوهج لا محالة،فكم هو جميل أن نرى حركة 15ماي تتأسس وتنطلق في 2011،وكم هو جميل أن نرى تلك الهبة الشبابية الساخطة تنزل إلى الشارع لتنصب الخيام وتدشن حلقات النقاش بعيدا عن الإقصاء والتخوين،فالحقيقة نسبية وثورية،ولا مجال لطغيان العاطفة والحماس الزائد على حساب نعمة العقل والفكر والحجة،فلا خير في حراك لا ينتج افكارا ولا يعمق التفكير في التكتيك والاستراتيجية، ولا يفتح المجال للتصورات ووجهات النظر لتتفاعل وتتلاقح،ولا خير في حراك لا ينظم صراع التصورات واختلافها بالنقاش الديموقراطي …هكذا اذن تبلورت أفكار وخلاصات ترفض سياسة التقشف التي يفرضها الرأسمال الهمجي،وتطالب بديموقراطية حقيقية،ليثمر الحراك ولادة حزب بوذيموس الذي حطم قاعدة الثنائية الحزبية،واحتل مكانه ضمن التنظيمات السياسية الثلاثة الاولى،واستطاع أن يربك المشهد السياسي والانتخابي في 2016..ورغم السلبيات التي لا يستهان بها والتناقضات التي تخترق التجربة،فإنها تجربة ذات دروس مفيدة في صيرورة الصراع والتناقض القائم بين الاستغلال الهمجي الجشع،وبين المقاومة التي تبديها الطبقات المتضررة من هذا الاستغلال وهذا الجشع.ويبقى الرهان على جبهة عالمية بين جيوب المقاومة،لمناهضة الرأسمال الجشع الذي يدمر الإنسان والأرض.
*******
6
الافق يكسوه الضباب،لكن المخاض آت لا محالة،ولعله كان صادقا ذاك الحاذق الذي قال :”الأزمة هي الفترة التي تفصل بين القديم الذي لم ينته،وبين الجديد الذي لم يولد.

7
كل عام وأنتم تستمتعون بصعود العقبات -بتعبير غارسيا ماركيز-.وما الحياة الا عقبات،وبعد كل بلوغ للقمة،بداية لصعود آخر .

كل لحظة وانتم بالف خير

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.