الدكتور موسى أغربي يكتب: نعيق الغربان!

موسى أغربي

لا بد في البدء من الاعتراف أمام القارئ الكريم أن هذا العنوان “مسروق” بطريقة خاصة، فنقاد الأدب العربي الحديث سرعان ما يتذكرون عنوانا مشابها لهذا العنوان بقلم الأديب اللبناني ميخائيل نعيمة في كتابه الغربال الذي يتضمن مقالة بعنوان “نقيق الضفادع” المأخوذ بدوره عن قصيدة لشاعر لبناني اسمه نسيب عريضة، فأنا إذن سرقت “المسروق” إن جاز التعبير، ولقد فعلت بدون تأنيب الضمير أو الخوف من قطع اليد، لأن هذه النازلة أي سرقة النصوص لم يخض فيها بعد شيوخ الهمجية الحديثة. لأنهم بكل بساطة من أكبر “اللصوص” في هذا العالم، أو ليسوا موظفين لدى السلطة السياسية لاغتصاب العقول، وهل هناك وباء أخطر من وضع الأقفال على العقول.

وجه الشبه بين العنوانين هو حضور الحيوان-هذا الكائن الذي نظلمه كلما دعانا الغرور إلى التمييز بين “الحيوانية” و”الإنسانية”- ولكن في صورة بشرية، فالأستاذ ميخائيل نعيمة يتحدث عن “الضفادع البشرية” وأنا أسرق بضاعته أو أحذو حذوه، ضفادع ميخائيل نعيمة تجول في مكان ضيق هو “المستنقع” – رمز الفكر المغلق- إذا انتزعت منه شيئا أو أضفت إليه شيئا تطاولت حناجرها وصدحت “واق! واق! واق” ما السر وراء هذا الواقواق الضفدعي السر هو كالآتي: أن كبير الضفادع- وبالمعنى الفصيح مثقف القوم ومفكر القوم المفلس- رأى أن من عظائم الكبائر أن تدنس اللغة الطاهرة الشريفة عن طريق استعمال “اشتقاق” أو “كلمة” لم “ينقلها القاموس عن ألسنة أبناء البادية منذ ألوف السنين، وذلك أن جبران خليل جبران في قصيدته المواكب استعمل كلمة “تحمم” بدل “استحم” علاوة على كلمة “تنشفت” (هل تحممت بعطر وتنشفت بنور)، فكبير الضفادع لا يريد غير لغة مضر وتميم وحمير وقريش، ومن حاد عنها فهو مفسد يجب حرق كلامه بالنار: “فالبدار البدار إلى جمع ما يلقيه هذا المفسد من البذور وحرقه بالنار”.

هذا المنحى العدواني “الإحراق بالنار”، صادر عن نفسية مريضة ابتلي بها بعض حملة الأقلام من العروبيين ومن لف لفهم من المؤدلجين دينيا، فهؤلاء أصوات في الظاهر متعددة ولكنها في حقيقة أمرها مفردة، وآية ذلك أنك إذا حاولت أن تحيط بما يكتبه مثقفو الهزيمة (هزيمة العرب أمام إسرائيل) سواء في المشرق أو المغرب، فإنك لن تجد صعوبة في تمييز خطاب يدعي أنه يحاول البحث عن الخلاص من جحيم الأزمة، أزمة عامة، حضارية إن شئت، ولكنه في العمق لا يفعل شيئا غير إنتاجها وتأبيدها بأوابد الفكر المغلق والمتحجر، ليس هذا فحسب، بل إنه يعبر أيضا وبدون مواربة عن فقر مدقع بحقائق التاريخ، حقيقة تاريخ الأزمة التي أنتجته ولا يستطيع منها فكاكا إلا بالهروب إلى إنتاج خطاب لا علاقة له بالكلام، بل بالأصوات إذا أردنا أن نستعير مفردات المرحوم عبد الله القصيمي، في كتابه “العرب ظاهرة صوتية”، وهذه الأصوات يتوخى منها “الحشد” حشد الجماهير، وراء سراب أمة “عظيمة”، انبثقت ذات ليلة في ركاب فرسان بدو أنيطت بهم مهمة استعباد الشعوب عن طريق فرض الخراج والجزية وبيع البشر في سوق النخاسة، ثم أتى عليها حين من الدهر نامت فيه نوما بائسا، وحينما استيقظت بفعل مدافع الاستعمار الأوربي وفتوحات كمال أتاتورك لم تقو على مجاراة التغيرات التاريخية فما بالك بالتأثير فيها وتوجيهها نحو الجهة التي تتحقق منها مصلحة الشعوب. في هذا المناخ الموار بالحركة أفرزت هذه الأمة العظيمة (غير الموجودة إلا في أذهان دعاتها ورعاتها من “مثقفين وسياسيين”) حركات سياسية وإيديولوجية كانت بمثابة التربة التي أنتجت صناعة التخلف بامتياز، أعني الظاهرة الإخوانية والبعثية والناصرية، وهذه الصناعة هي من السعة بحيث أنها فاضت بها أسواقها وتحاول الآن أن تفيض على العالمين خرابا وتدميرا.

وهذه الظاهرة على الرغم من إفلاسها فإنها قد اعتلت قمة التمجيد لأسسها الإيديولوجية الماضوية، وليس هذا عيبا في حد ذاته، ذلك أنه من الطبيعي أن يفخر الإنسان، أي إنسان وفي أي زمان، بمنجزات ماضيه الحضاري، ولكن المشكل يكمن في البحث عن ذريعة وبصورة طافحة بالهلوسة، للهيمنة على “الآخر” الذي يتخذ صورة “العدو” لا صورة المختلف، ومن ثم يجب محاربته، علما بأن هذا الآخر لا يتخذ صورة محددة وفق رؤيا علمية وتاريخية، فتارة هو الغرب وحضارته، وتارة أخرى هم الكفار واليهود والشعوبية القديمة والجديدة.

في حدود هذا التصور يلتقي الأشقاء: العاربة والمخونجون وإن كان كل طرف يريد أن يؤمم الآخر ويحتل الفضاء وحده. وبمعنى آخر فإن بعض المثقفين على اختلاف أصنافهم، في المشرق وأتباعهم في المغرب، لا يمكن أن يتصور الوجود بدون أعداء سواء كانوا من الداخل أو الخارج، أعداء من، وأعداء ماذا؟ الجواب بكل بساطة الحضارة العربية بجناحيها: اللغة والدين!!!

فبالنسبة للنقطة الأولى نجد أمثلة من التاريخ تؤكد أن معيار اللغة هو المنطلق في تقويم العلاقة بالآخر سلبا أو إيجابا بمعنى أن هذا الآخر هو “أجنبي” أو “غريب” أو “أعجمي” وهذا ما نجده في مثال الإشكالية اللغوية لدى اليونان والرومان حيث يتم التمييز بين اليونان والبرابرة، وبين الرومان وسكان شمال إفريقيا الذين أطلقوا عليهم اسم “برباريا” وقد خول لهم هذا الاسم الحق في استعباد الشعوب(جورج طرابيشي، من النهضة إلى الردة ص: 94-95) نحن هنا إزاء إشكالية لغوية تخفي عمق الإشكال الحقيقي ألا وهو إشكال هيمنة  القاهر على المقهور: فبحكم أن هذا الآخر لا يتقن اللغة التي تتكلمها إثنية ما فهو انطولوجيا قاصر ومحكوم عليه بالعبودية أو الانقراض، فالمسألة إذن أعمق من كون “الآخر” الذي لا يتكلم لغتي “أعجمي” أو “بربري” بالمعنى الذي أعطاه الفراء لهذا الاسم.

ولم يكن العرب- بالمعنى الثقافي لا بالمعنى الاثني- استثناء في هذا الباب، فهم كما يقول أحد دعاة العروبيين يحبون لغتهم إلى درجة التقديس، وأما غيرهم من الذي لا يعبرون بلغتهم فهم أقرب إلى “الحيوانات العجمى” منهم إلى الحيوانات الناطقة (نقلا عن المصدر السابق ص:96)، هذا التضخم في الأنا اللغوي- إن صح التعبير- ناجم عن عقلية امبراطورية، كلما امتد القوم على أوسع المناطق الجغرافية وانتشرت لغتهم بطريقة أو بأخرى في نطاق أوسع من بيئتهم، أحسوا بنسغ القوة –بل التعاظم- يسري في عروقهم. بل يدفعهم هذا الإحساس إلى الاعتقاد بنقاوة وطهارة أرومتهم وسمو لغتهم مما يؤهلهم للسيادة السياسية والدينية والثقافية، وليس هذا مجرد ادعاء ندعيه ظلما وبهتانا، أو مجرد تعبير عن غفوة عقلية بالنسبة لنخبة مثقفة مهزومة (محمد عمارة، حسن حنفي، عادل حسين، منير شفيق… الخ) بل إنه راسخ في الذاكرة الجماعية، وذلك منذ أن خالط العرب غيرهم من الأقوام سواء في المشرق أو المغرب بما فيه الأندلس. فهذا سيدهم معاوية وهو من السلف الصالح يوسوس له شيطانه الأعرابي أن الأعاجم أو بتعبيره ” الحمراء” (قد كثرت، وأراها قد طغت على السلف، وكأني أنظر إلى وثبة منهم على العرب والسلطان، فقد رأيت أن أقتل شطرا وأدع شطرا لإقامة السوق وعمارة الطريق،…”(العقد الفريد ج 3 ص: 361)، وروي عن ابن مسعود قول النبي: “إذا سألتم الحوائج فاسألوا العرب… من أبغض العرب أبغضه الله” (م. س ص: 278) فالمسألة إذن أعمق من الإشكالية اللغوية كما عند الإغريق في موقفهم من البرابرة الذين يتكلمون لغة غير لغة “أثينا” أي أن الآخر يبقي “الآخر” أو إن شئت “عدوا” حتى ولو كان يتكلم لغته، بل وكان له نصيب وافر في تأسيس قواعد اللغة العربية والفكر بصورة عامة، وهذا يدل على وجود منحى نفسي راسخ ومتأصل في الذهنية التي تروم محورة الكون حول كينونتها الذاتية ومركزيتها الأثنية، وذلك في اتجاه مضاد لحركية التاريخ ومنطقها، إذ أن من البديهيات التي لا يمكن نكرانها أن ما بات يعرف ب “الحضارة العربية الإسلامية” لم تنشأ في بلاد العرب بل خارجها في اتصال مع أقوام “أعجمية” شتى شرقا وغربا، وهذه الأقوام كانت لها حضارات عريقة (الشام، العراق، مصر، ليبيا…الخ)، ولكن مع قدوم جحافل البداوة من شبه جزيرة العرب كفت هذه الأقوام عن أن تكون شريكا، بل نظر إليها وإلى بلدانها على أنها فيء المسلمين، بل إن المزايدة السياسية ذهبت إلى حد اعتبار العرب- فيما يشبه النن- أحق من غيرهم بالقيادة السياسية والدينية، فهم الذين أخرجوا الشعوب الأعجمية من الظلمات إلى النور، من الوثنية إلى التوحيد، وهذا ما أدى إلى اعتبار البلدان التي غزيت بأنها ملك اليمين وما عليها من النساء هن جواري وقيان للهو والاتجار وذلك بحكم الغزو والاحتلال.

قد ينهض اعتراض ضدي هنا على اعتبار أنني أتحدث عن أشياء أصبحت في ذمة الماضي، وأن ثنائية العرب والعجم قد عرفت أوجها في نهاية دولة الأعراب الأمويين وفي صدر دولة بني عباس، ولكنها خمدت في القرن الرابع كما يذهب إلى ذلك أستاذنا المرحوم جورج طرابيشي في كتابه الأنف الذكر، حيث اعتبر أن الحضارة العربية الإسلامية لا يمكن فهمها إلا في تعدديتها التكوينية والبنيوية معا: ص: 98، إنني أمام هذه الجملة لفقيد الكلمة والرأي العلمي الحر الذي مثله الأستاذ جورج طرابيشي لا يسعني إلا أن أتجرأ لأقلب كلمات المرحوم من حال النفي إلى الإثبات: إثبات أعراض شتى من المركزية الإثنية، وهذا كان جوهر دائها، وكل قراء الأستاذ طرابيشي يتذكرون نظريته حول مرض المثقفين العرب بالغرب من زكي الأسوزي إلى عابد الجابري وهذا المرض النفسي ناخ بكلكله في كل اتجاه وليس منه شفاء في الأمد القريب، لأن نخبة ” من المثقفين سواء أكانوا في صف الأعراب القرشيين أو في صف الدراويش والدعاويش اجمعوا أمرهم على النكوص إلى الماضي المعبود، العصر الذهبي المزعوم والموهوم لاستثناف السير لا في اتجاه المستقبل والحداثة التي لا مناص منها وإن كرهوا، بل في اتجاه البداوة، لآن من يرفض الحضارة الغربية وهي في الواقع ليست غربية محضة – ويختار العزلة بدل أن يكون شريكا في صنع حضارة الإنسان الحديث، وينخرط في صنع قيم الإنسان الكونية لا يختلف في شيء عن الإنسان البدوي في القرن السابع الميلادي حيث نشأت وانبعث العصبية القرشية المتعصبة للجنس العربي ضد غيرهم من الأعاجم، وخاصة تلك الفئة المستعبدة والذين يعرفون باسم الموالي، وقد أورد بن عبد ربه في كتابه السالف (العقد الفريد) قصة هذه العصبية الجائرة كما رواها ابن أبي ليلى على لسان شخص يدعى عيسى بن موسى، ومضمنها انه سأل عن جنسية فقهاء البصرة ومكة وقباء اليمن وخرسان والشام والجزيرة والكوفة، وحينما كان يتلقى الجواب في كل مرة ب: موالي أو مولى، اسود وجهه وكأنه رزق بأنثى عليه وآدها بدون رحمة أو شفقة (انظر تفاصيل القصة في العقد الفريد ص: 363-364).

وهل يختلف هذا الموقف العصبي  الهنا…والآن؟ وهل تجاوز المثقفون المحدثون الشرفاء بعصبيتهم القومية والدينية، لا بأعمالهم ونزاهتهم الفكرية هذه النظرة الدونية إلى الأقوام التي اختلط بها العرب؟

فهذا زكي الأسوزي الذي تدور جل كتاباته ومؤلفاته حول الأمة العربية وانبعاثها، أرهقه تعصبه الأعمى لجنسه القومي إلى حد أنساه أنه يحيا في النصف الثاني من القرن الماضي، بل ذهب بعيدا في تعريف ” الأمة” التي اشتقت في نظره من الأم، وإذا كان أعظم في هذه الأم هو ” الرحم” فإن كل ما يصدر عنه بالاتصال المباشر عن طريق الولادة، فهو أسرة، وإخوة متراحمون، من الرحم لا من الرحمة كما يتبادر إلى الذهن من مفهوم “الرحمانية” الذي يوظفه الأرسوزي بكثرة. أن هذه المتاهة الأرسوزية متناسقة في مقدماتها ونتائجها ولكنها عبارة عن دائرة مغلقة مثل الأخوة في الأسرة يرجعون إلى أصل واحد هو الرحم العروبي أو الأمة العربية، وما عدا ذلك من الأقوام فإنهم لا يمثلون أمة أصلية، والأصالة وقف على هذه الأمة وحدها لا شريك لها، ومن هنا توظيف مصطلحات “الأغيار” أو ” الغرباء” أو ” الدخلاء” أو ” الهجناء”، وهؤلاء لا يعودون إلى الأصل الأول أو البدء الأول. وهذا الأصل الأول هو البداوة، أو لم يكتب سنة 1965 مقالا بعنوان ” البدوي حارس العروبة” بل إنه عارض ” تحضير البدوي؟ (راجع العرض القيم لأراء الأرسوزى في كتاب طرابيشي (من النهضة إلى الردة).

إن هذا التعلق المرضي (بالمعنى البيسكاناليزي) بالبدء الأول سواءا كان “رحما” أ و بداوة، ليس ظاهرة فكرية معزولة، بل هو تيار فكري عنيد لا يمل ولا يراجع بالنقد والتمحيص أوهامه الفكرية، فقبل الأسوزي صاغ داع آخر من دعاة العروبة شعار ” جامعة الوطني العربي” يروم ” إقامة إمبراطورية عربية تمتد من الفرات ودجلة إلى خليج السويس ومن المتوسط حتى بحر عمان” (نقلا عن ناصيف نصار: تصورات الأمة المعاصرة ص: 266) هذه الإمبراطورية كما صاغ أوهامها نجيب عازوري في العقد الثاني من القرن الماضي لم تولد عملاقة كما هو الحال بالنسبة لحزب البعث والناصرية وتعابيرها لدى نديم البيطار والجابري وعصمة سيف الدولة ومحمد عمارة…إلخ، لأن حدودها التاريخية (وقد يكون في هذا نصيب نصف الحقيقة) محددة، ومصر لا علاقة لها بجغرافية العالم العربي لأن المصريين ” لا ينتمون إلى العرق العربي فهم من عائلة البربر الإفريقيين” (نقلا عن المصدر السابق ص:227).

وإذا كان الأرسوزي قد صاغ مفهوم ” الرحم” أو البدء الأول تعبيرا عن اللغة الأولى التي هي الجامعة بين الأخوة كما ورثوها عن الأجداد في صحاري وادي الغضا واليمامة ونجد…إلخ، بل إن ابن منظور نفسه صاحب لسان العرب لم يلج إلى جنته ” الرحمانية” لأنه أعجمي – إفريقي – فإن بعض الكتاب ممن ذاقوا طعم هزيمة 1967 هم من بعض الوجوه الوجه الآخر للمنحى الغريزي نحو تأصيل البداوة ولكن في قالب ديني، أو إن شئت المزج بين نقاوة وطهارة وصفاء البدء الأول اللغوي، وبين ” العصر الذهبي” الممتد في حدود زمنية هلامية لها بداية هي بداية ” الأسلاف” ولكن لا نهاية لها لأنها تظل دوما مطلقا البداية ولا شيء غير هذه البداية تفنى الأجيال تلو الأجيال وتتوالى أمواج الزمن وتظل هي ثابتة، إنها بمعنى من المعاني تكتسي صورة  “الدهر” الذي لا يفنى فلا ندري ما إذا كان قديما أبدا أم جديدا أبدا.

هذا الارتداد إلى الخلف تعبير من جهة عن مرض نفسي كما أسلفت القول، وعن عجز حضاري في الزمن الحاضر وانسداد آفاق المستقبل من جهة ثانية، وإعلاء للمركزية الذاتية بصورة تبعث على الشفقة من جهة ثالثة. لأوضح.

إن ظاهرة النكوص بالتعبير النفسي، لدى الطفل، من وجهة نظر عالم النفس الشهير “جان بياجيه” هي مرحلة أساسية من مراحل تطور الطفل النفسي، ففي المرحلة الأولى التي تعقب الولادة لا يكون الطفل قادرا على التمييز بين الذات (الأنا) وبين العالم الذي يقع خارج هذه الذات، وحتى حينما يبدأ يعي هذا الواقع الخارجي أثناء الاصطدام به، فهو لا يعدو أن يكون امتدادا لمركزيته الأنوية أو لجسده ” فلا وجود لموجود إلا برسم هذا الأخير وضمن دائرة ما يحب وما يكره… فكل طفل هو بالضرورة مؤسس لنظام شمسي، وهو في آن معا ملك هذا النظام وشمسه” (جورج طرابيشي: المرض بالغرب ص: 80-81..) ولكن إذا كانت صدمة الطفل قائمة على أساس مغادرة مملكته حيث كان سيدا في حضن الحماية الأبوية”، فإن المثقفين العروبيين في المشرق وامعاتهم في المغرب، لم ” ينعموا” بصدمة واحدة، بل بوابل من الصدمات، (أوظف هنا الصدمة بمعنى الكلمتين المترادفتين traumatisme , trauma وكل منهما تعبر بالمفهوم النفسي عن الجرح الناجم عن التعرض للعنف الخارجي) (انظر: معجم التحليل النفسي ل: بلانش وبونتاليس. الطبعة الفرنسية)، الأستاذ جورج طرابيش يذهب إلى حصر الإحساس ب” الرضة” لدى بعض المثقفين المشارقة ومن جاورهم في هزيمة 67 (المرض بالغرب)، ولكن من وجهة نظري المتواضعة، فإن هذه الرضة لها أخواتها الممتدة من نهاية السلطة الأعرابية على يد الأعاجم من السلجوقيين والأمازيغ والأتراك… إلى هزيمة إسرائيل للمشروع الناصري والبعثي، ومرورا بنهاية ما استقر في الأذهان من هلوسات مرتبطة بنهاية ” الخلافة”.

إن أي مثقف عروبي أو ” مخونج عروبي” لا يزيغ عن الإشارة إلى هذه الصدمات مجتمعة أو متفرقة، وإذا كان من الطبيعي جدا، والمفهوم، والقريب إلى التعقل والعقل إن كل فرد أو جماعة تتعرض للصدمة والسعي إلى تجاوزها (ألم يحس المثقفون الفرنسيون على سبيل المثال بالصدمة أثناء الاحتلال النازي كما كتبت أناه ارندت؟)، فإن بعض المثقفين العروبيين أو المخونجين، يتمسكون عبثا بإعادة إنتاج أسباب وشروط إنتاج الصدمات: فهذا أنور عبد الملك يرى أن (الأمة العربية) التي تقع في قلب المنطقة الحضارية الإسلامية الإفريقية الآسيوية” مدعوة إلى احتلال مكان الصدارة المركزية في تحرك شعوب الشرق، (المرض بالغرب ص: 83)، وأما دعاة “خونجة” المجتمعات، فإنهم على الرغم من الإلحاح على المركزية الإسلامية، فإنهم لا يقلون شوفينية عن القومجيين العروبيين من حيث النظر إلى الدور القيادي للعرب باعتبارهم قلب المركز” (المرض بالغرب ص: 83).

هذه الهلوسة تعبير ملموس عن واقع العرب والمسلمين المهزوم وقد ارتد إلى واقع متخيل (fantasmatique)، حيث نحاول الذهنية المصدومة أن تستعيد أمجادها القرشية – الأموية القديمة يوم كان مقبض السيف والخطب الغوغائية وحماسة البداوة معايير تاريخية لبسط النفوذ القهري والاستعلائي على شعوب ” أعجمية” تحولت بفعل العروبي – المخونج، أو المخونج – العروبي إلى  أقليات سواء كانت دينية أو ثقافية، فلا غرو أن وجدنا أن هذه الذهنية المهزومة تسعى إلى تضخيم كل شيء: توسيع الجغرافية الممتدة من الماء إلى الماء (من الخليج الثائر إلى المحيط الهادر)، والمسلمون يعدون الملايين وإذا أضفنا الجنس العربي فإنهم يصبحون ملايير، وإرثهم الحضاري راسخ رسوخ الجبال، ولغتهم أسمى اللغات في الدنيا والآخرة !!

لقد ذهب الطيش بعقول هذا الرهط من المثقفين فلم يعودوا يميزون بين حدود اللغة العربية وحدود الأصولية الدينية المغلقة، كل الطرق تؤدي إلى اللغة العربية رمز السيادة لغة ودينا، ومن هنا فالشعوب غير العربية في نظر هؤلاء القوم مشكوك في إسلامهم لأنها تفتقر إلى مقوم الوجود الأساسي: “الحس اللغوي” وعلى رأس هذه الشعوب الأتراك والإيرانيون لأن هذه الشعوب معروفة في نظرهم باعتزازهم القومي (المرض بالغرب. ص 84-85).

ألسنا هنا إزاء حالة مرضية (سكيوزفرينية) مزمنة: الاعتزاز بالأمة العربية ولغتها وإنكار ذلك على الآخرين، إن من بديهيات التفكير العاقل أن من ينكر الاخر فليتحمل وجود “آخر” ينكره، إنهم يريدون من الشعوب الإسلامية غير العربية ان تدخل إلى فردوس العروبة وإلا فإن إسلامها منقوص، وهكذا نفهم أن المركزية

 سواء كانت دينية أو قومية، والتي يدعون إليها، لا تعني غير الهيمنة ومحو الاختلاف، واستعارة أساليب الغزو الأعرابي – الأموي التي لا زالت عالقة بذاكرة البعض من رجالات السياسة والثقافة الذين يهذون باستعادة الأمجاد المستحيلة لأنهم بكل بساطة عاجزون عن صنع هذه الأمجاد في الزمن الحاضر ومن أجل إخفاء هذا العجز يتداعون إلى البكائيات والشكوى من المؤامرات التي ينسجها الأعداد في الداخل والخارج.

إن هذه الذهنية التي ترفض حتى الشعوب التي تتقاسم معها الإيديولوجية الدينية دون اللغة، فكيف تقبل التعايش مع الشعوب الأخرى المختلفة عنها لغة ودينا، إنها بكل بساطة إعلان للحرب دون أن يكونوا مؤهلين لخوضها، إن المهزوم على جميع الأصعدة، وهذا واقع يفقأ العين ببروزه الشامخ، عليه أن يتجاوز محنته الحضارية قبل أن يقسم العالم وفق هوى أنويته المريضة التي تقرن الوجود الإنساني بالهيمنة والغلبة، ولا تؤمن مطلقا بأن المركزية التي ترنو إليها الإنسانية والمشروع الأنتروبولوجي (الأوربي المنشأ) تحديدا وتخصيصا هو الإنسانية المتعددة humanité pluriel  .

ومن عجائب الأمور وغرائبها أن الفكر الأصولي سواء أكان دينيا أو قوميا يهذي بالدعوة إلى المركزية وهو ينتمي إلى حضارة توجد في الدرك الأسفل من التخلف، في حين نجد أن الغرب العملاق (على الرغم من ديمقراطيته اليونانية التي يمكن اعتبارها شرا لابد منه) بعلومه الأرضية وجامعاته ومفكريه العظام لا يجد غضاضة في إعادة النظر في يقينياته المتصلة بموقفه من الحضارات الأخرى الغير الغربية، وتقوم هذه الإعادة على عدم اعتبار الإنسان الأبيض وثقافته نموذجا، ذلك بأن هذه الثقافة هي من بين الثقافات الأخرى ولكنها ليست وحيدة، بمعنى أن المعرفة الأنتربولوجية بثقافة الغرب تمر بشكل حتمي بمعرفة الثقافات الأخرى، وما عدا ذلك فإن الإنسان إذا سجن نفسه في ثقافته المغلقة فإنه يكون أعمى وحسير النظر سواء بالنسبة لثقافته أو لغيرها من الثقافات. (François laplontine l’Anthropologie pp :17-18).

تعليق 1
  1. H'mida يقول

    لو كان لي ان اكتب مقالا ردا على هذا المقال لعنونته بزعيق الضبعان.ذلك ان صاحبه يقطر كرها للامة العربية والقوميون العرب ومن لف لفهم على حد قوله.انه ينعتهم بعدم النزاهةالفكرية كما لو ان المفكرين المتحررين والذين يعتبر نفسه منهم كانوا في قمة التحرر.ولكن بمجرد ما رايت العلم البربري رمز الانفصاليين البرابرة وراءه فعرفت لاي لفيف ينتمي ولاي جوق يعزف.قبل ايام علق اتباع هذا الاتجاه علم الكيان الصهيوني فوق احدى قمم جبال تيزي وزو في الجزائر.ثم اني وجدت كلامه لا يختلف كثيرا عن ما يكتبه الفيلسوف الفرنسي اليهودي الصهيوني برنارد هنري ليفي عندما يتكلم عن النزاهة الفكرية وهو ابعد الناس عنها لانه حسب فهمه النزاهة يجب ان تتطابق مع العداء للوطنية والقومية العربية أذا تعلق الامر بالعرب. فهو اراد ام لم يرد ضمن خانة الشعوبيين ومثله مثل الأنفصاليين الأكراد الذين يتبع خطاهم.وهو ينتقد الرسول (ص)لما قال لسلمان يوما لا تبغض العرب يا سلمان فيبغضك الله لانه عليه الصللاة والسلام اراد بذلك ان يئد بذور الشعوبية قبل ان تنبت.أذن هذا الكاتب مثله مثل الدينيين المتطرفين لكنه يقع في الطرف الاخر المقابل.هو يصف هؤلاء بواضعي الاقفال على العقول ولكن هم في الحقيقة لا يشغلون عقولهم ولكن هو و من لف لفه من المعادين للقومية العربية سواء كانوا عجما او اعرابا اقحاحا يشغلون عقولهم لصالح من يعمل او فقط من يحلم ان يرى هذه الامة تنعم في يوم من الايام بالوحدة وتفيض خيرا على الانسانية.وهذه الامة هي التي باسم دينها وحدها يوما البربري عبد المؤمن بن علي تحت لواء بربري اخر مؤسس دولةالموحدين او يوسف بن تاشفين مؤسس دولة المرابطين او الكردي الاصل اللذين انقاد لهم العرب كلهم ولم يقولوا ليسوا اندادا لنابينما نحن اليوم في القرن الواحد والعشرين نجد ريئيس اكبر دولة في العالم يعتبر السود غير مساووين للبيض.قبل ان يفتح العرب افريقية المفرقة كما وصفها اعدل حاكم عرفته البشرية عمر رضي الله عنه ولعله كان بنظرته الاستشرافية انه سياتي زمان على هذه الامة منيحاول تفرقتها على هذه الارض.اقولمستدركا ان البربر قبل ان ياتيهم العرب بدينهم الجديد يأخذونهم مكبلين رجلا ونساء وغلمانا ليباعوا في اسواق روما باثمان بخسة لياتي اليوم احد من احفادهم لينتقد منقذ كل البشرية على انه قال لا تبغض العرب يا سلمان،كان اولى ان يشكره على الاقل على اللغة الجميلة التي يتكلم بها بحيث انه لو استعمل لهجته البربرية لما تجاوزت فكرته حدود قريته.اقف عند هذا الحد والموضوع ذو شجون اذ انني بدأت ت
    مداخلتي بانني لا انوي كتابة مقال ردا على هذا الوضوع الذي صار ممجوجا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.