الحراك الشعبي بالريف والتحديات

جابر الخطيب

نجحت ساكنة منطقة الريف في تخليدها أربعينية مقتل الشهيد محسن فكري ضحية “الحكرة”، في تنظيم شكل لافت تخللته عروض فنية تعبيرية وشعارات قوية إضافة الى التنظيم المحكم، والذي تزامن واليوم العالمي لحقوق الإنسان.يوم 10 دجنبر، هذه المحطة النضالية تبقى حلقة ضمن سلسلة من الأشكال الاحتجاجية التي انطلقت ليلة “طحن” محسن فكري يوم 28 من اكتوبر المنصرم، بحيث سجل تضامن لم يسبق له مثيل خلال الأحداث السابقة بالريف، فلم تخل أي مدينة أو عاصمة أوربية من وقفات احتجاجية، وأشكال تضامنية متنوعة، ويرجع الفضل في ذالك لجيل مغترب أصبح يتفاعل بشكل إيجابي مع موطنه الأصل، مما سيكون له دور مهم في رسم مستقبل الريف على واجهات عدة.

وتمكن هذا الحراك وبسرعة تجاوز رد الفعل اتجاه الحدث الصادم بكل تفاصيله وحيثياته، والتأسيس لفعل احتجاجي يتوخى تكثيف مطالب سكان منطقة الريف التاريخية منها والآنية، ومحاولة تقعيدها من خلال ملف مطلبي شامل، يكون بمثابة عنوان وأفق هذا الحراك الشعبي، والذي شكل منعطفا ضمن صيرورة النضالات بالريف كما وكيفا، كما كشفت الأشكال النضالية المنظمة عن الوجه الحضاري والتنظيمي، مسجلا حضور المرأة فيها بنسب عالية، فندت معها مزاعم الحملات المغرضة التي رفعها أزلام المخزن كشعار” إيقاف الدعوة للفتنة”.

هذه الدينامية النضالية المتفجرة عقب الإحساس العميق بالحكرة، ستعيد من جديد مصير الريف ومستقبله لأبناءه، كاشفة النقاب عن كل الشعارات الزائفة -مصالحة، جبر الضرر- التي تم تسويقها بخصوص الريف، وقد تسحب البساط لمن ارتقى في سلم دائرة المخزن على آلام ومعاناة الريف، وقايض تاريخه المجيد، مقدما نفسه “عراب” وضمانة المصالحة، وغيرها من الادعاءات التي ترددت خلال السنوات الأخيرة بقوة وأسقطت في شباكها الكثير من الريفيين. وأفرز هذا الحراك منذ انطلاقه طاقات نضالية تستحق كل الدعم والتقدير، وكذا الاحتضان اللازم، لحجم تضحياتها وصدقها النضالي الذي أبانت عنه منذ انطلاق شرارة هذا الحراك، لكن ستبقى هذه الزعامات الجديدة، بكل ما تمتعت به من كاريزما لافتة في الحشد والتحميس، في حاجة للخبرات النضالية الريفية والوطنية أينما تواجدت، و التأسيس لنقاش يستوعب جميع القراءات التي تهدف لتطوير هذا الحراك وتقعيده، لرسم أفق وخارطة طريق واضحة، محررة إياه من أي نزعة شخصية متجاوزة.

كما وجب على هذا الحراك الشعبي أن يعيد الاعتبار للاحتجاجات السابقة بالمنطقة، وذالك باستيعاب مطالبها ودروسها النضالية، وأيضا بتكريم مناضليها، وإشراكهم من داخل هذا الحراك الشعبي الجامع لتطلعات ومطالب الريفيين، وكذا الوقوف على مآلات وحجم الخسائر التي تكبدتها بعض المعارك النضالية خلال السنوات الفارطة ( بني بوعياش، تارجيست، تماسينت…). وكأغلب الاحتجاجات كشف هذا الحراك الأخير المنفلت من أي انتماء، عن واقع ممارسات أحزاب سياسية ونقابية صورية، لكن هذه الحقيقة لا يجب أن تبرر الهجوم المجاني على قوى مناضلة يبقى لها حضورها ومساهمتها من داخل هذا الحراك، فيتحول ذالك لحساسية مرضية ترفض أي انتماء، فيكون عندها قد حكم هذا الحراك على نفسه بالتقوقع والعزلة. وارتكز هذا الحراك الشعبي في الريف على إرث نضالي ممتد في التاريخ، مستلهما شعاراته من التاريخ المشرق للريف، ومستحضرا أبطاله، وذالك ضرورة من أجل تثبيت همم الشباب، وإعادة الاعتبار لتاريخ الريف المجيد، فإن ترديد بعض المقولات المبتورة من سياقها التاريخي، والمزايدة بشعارات من قبل البعض مجانا، لا يخدم هذا الحراك الشعبي في شيء، بل يكون مردودها سلبيا عليه، ويعمينا عن رسم ملامح المستقبل، كما لا يسعفنا التعاطي مع تاريخنا بشكل متشنج في الإجابة على الإشكالات العميقة، والتي تستدعي في تقديرنا بالمقابل الانفتاح على خبرات المناضلين بخلفياتهم الإيديولوجية والسياسية وتجاربهم المتعددة والمتلاحقة عبر الأجيال.

وسجل هذا الحراك الشعبي المتدفق بكل مناطق الريف بعض التميز في طبيعة أشكاله وتعبيراته التي تكتسي الكثير من الإبداع وكذالك سبل التعبئة، بانفتاحه على محيطه( تجربة التعبئة والتواصل من داخل الأسواق الأسبوعية، والإنصات لتطلعات ومطالب الساكنة وتحفيزها على المشاركة في هذا الحراك)، مع استثمار وسائل التواصل بشكل جيد، وسجلت المحطات النضالية الأخيرة حضورا كثيفا للفلاحين، في تمازج متفرد بين ساكنة البوادي والمدينة، وهو معطى سوسيوسياسي يفند بعض الطروحات السابقة، والذي يستوجب الوقوف عندها ودراستها. لكن بالرغم من كل التفرد الذي سبق ذكره يبقى هذا الحراك متقاطعا مع تجارب سابقة، أقربها حركة عشرين فبراير، وبالتالي وجب أخذ الدروس والعبر من منزلقاتها وأخطائها، و الانتباه لما يعتمل ويخطط من داخل دواليب المخزن المراقب لهذا الحراك الشعبي المزعج، والذي ضرب حصارا إعلاميا حوله، ولامبالاة متعمدة اتجاه مطالبه.

وسيعمل المخزن على تصيد كل هفوات الحراك، كما فعل مع حراك عشرين فبراير وغيره، من قبيل العمل على تضخيم ذوات قيادات الحراك، وإغواءها ببريق الإعلام المحلي والدولي، فتصبح متعالية، ومنشغلة عن مهام الحراك ومتطلباته، ثم استدراجها وتصيدها في أخطاء شخصية، ليتم الصاقها بذات الحركة ككل قصد تشويهها وخلق دعاية ضدها، عبر إعلام مسخر. إضافة الى ذلك وجب على نشطاء هذا الحراك تطوير أشكاله، حتى لا يسقطوه في خانة العادية، ويتم استدراجه لتنظيم أشكال، بمثابة احتفاء وفرجة ويتحول الى فولكلور، أكثر منه محطات نضالية ضاغطة، تعمل على تفريغ منسوب الغضب، ومع الوقت تصبح روتينية، فيفقد الحراك زخمه وقاعدته الشعبية الداعمة وذاك ما لا نتمناه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.