التسوية المغربية الفرنسية وموضوع المهاجرين المؤجل

أعلن المسؤول الأول عن السياسة الخارجية الفرنسية فابيوس عن قرب زيارته للمغرب لترطيب خاطر المغرب اتجاه فرنسا، بعدما عكرت بعض الأحداث صفو العلاقات بين البلدين، لحاجة فرنسا الآنية للمغرب في شؤون استخباراتية وأمنية بعد واقعة “شارل إيبدو” وما سيليها من سياسة فرنسية اتجاه ما يسمى بمحاربة الإرهاب.
مواقف المغرب الأخيرة اتجاه فرنسا، آخرها ما حصل خلال المسيرة المليونية الباريسية لا يكاد يخرج عن طيش الطفل الصغير المتظاهر بالغضب للفت بعض اهتمام ولي الأمر وهو ما حصل أخير بإعلان فابيوس زيارته المرتقبة للمغرب.
موضوع الزيارة المرتقبة لفابيوس التي يتم الترتيب لها ستتركز حول صفقة تقديم فرنسا ضمانات بعدم استدعاء المسؤولين المغاربة لمسائلتهم من قبل القضاء الفرنسي عند زيارتهم لفرنسا، وعدم تكرار ما حصل مع مدير المخابرات المغربي “عبد اللطيف الحموشي”، وكذا الاهانة التي تعرض لها مزوار وزير الخارجية المغربي بنزع حزامه وحذائه وتفتيش أغراض حقيبته بالمطار، وهو الشرط الحصري والوحيد لاسئناف بأقصى سرعة للتعاون الاستخباراتي والأمني دون اهتمام بقضايا عدة تظل عالقة بين البلدين.
وضعية الجالية المغربية بفرنسا أصبحت مقلقة، خاصة بعد واقعة “شارل إيبدو” وردود الفعل العنصرية اتجاه المسلمين، والتي انتهت بحادث مقتل مغربي في اعتداء عنصري مقيت لا يقل بشاعة عن الأحداث السابقة.
ظل المغرب ومنذ البداية ينظر لهذه الجالية كمورد أساسي للعملة الصعبة، وتعاطى معها بنفعية وبراغماتية ، عبر توظيف إغراءات شعارات تبقى موسمية أشهرها الشعار المعلوم عند كل موسم صيف “مرحبا بعمالنا المهاجرين بالخارج” ، كما تزاحم مع جارته الجزائر للهيمنة على الحقل الديني الاسلامي بفرنسا عبر خلق هيئات إسلامية موالية لسياستها.
في المقابل لم يتحمل المغرب أي مسؤولية في تحصين حقوق المهاجرين داخل أوطانهم الجديدة، عبر وسائل ضغط متعددة تستخدمها الدول الأخرى لصالح جاليتها. ومن جهة أخرى لم يتقبل أي صوت معارض لسياسة المغرب، وفاضحا لها وشكل إزعاجا دائما، كما حصل مع الملاكم زكريا المومني وغيره.
بعد جيل الآباء من المغاربة الذي هاجر على وقع خيبة استقلال لم يغير شيء من واقع بؤسهم الاجتماعي، بل زادهم بطشا جراء تفجر انتفاضات بعدد من مناطق المغرب. واعتقد هذا الجيل أن رحلته نحو ديار أوربا ستكون مؤقتة تنتهي حال توفير بعض المال لضمان ظروف عيش أفضل بالبلد الأصل.
وعندما طال مقام الأباء، تعاقبت الأجيال على أوربا، فأصبحوا يحملون جنسية مزدوجة(مغربية/فرنسية)، وتبدلت تمثلات ورؤية هذه الأجيال لذاتها داخل أوطانها الجديدة، وكذا نظرتها لأوصول آباءها، فنتج عن ذالك تمزقات ثقافية وهوياتية دينية، وفشل اجتماعي وتعليمي، تعمقت حدته مع واقع الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي ضربت أوربا. هذا الوضع وفر أرضية خصبة لتغلغل الفكر الجهادي، باستثمار الشبكات الاجتماعية التواصلية ذات المرونة الاستقطابية العالية، مدعومة بأموال النفط الخليجي، لتنتهي بعمليات قتل عمياء عبر شوارع باريس.
هذه الأحداث الإرهابية الأخيرة لن يوقفها الاحتراس الأمني والتنسيق الاستخباراتي مهما ارتفعت كلفته، ولن تفي الاجراءات المشددة التي تعتزم فرنسا إخراجها، وقد تفاجئ فرنسا بعمليات وردود فعل أفدح، ما لم تعتمد فرنسا وغيرها من الدول الأروبية استراتيجية اجتماعية تعيد استيعاب هذه المكونات الهشة التي لم تعد تحس بمواطنتها الكاملة، جهة أخرى على الدول الأصلية لهذه الجاليات بلورة سياسة تواصلية خارج النظرة التوجيهية والمصلحية الضيقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.