البلوكاج الحكومي والرهان على استجداء الاصلاح

محمد المساوي
ليس من المستبعد أن يكون بنكيران قد تسلم لائحة الوزراء الذين ينبغي أن تضمّهم الحكومة المقبلة، مع قرصة اذن من يدي مستشاري الملك عندما استقبلهم قبل يومين موفدين من الملك، لذلك من المرتقب أن يُسرع في الاجراءات الشكلية ليعلن تشكيل الحكومة، أو يعلن فشله ويسلم مفاتيح رئاسة الحكومة إلى الملك، لأن المخزن يبدو أنه ضاق من الصبر على “اعتكاف” بنكيران، فبعد خطاب دكار الذي كان توجيها بالمرموز، الان انتقل الملك إلى ايفاد مستشاريه مباشرة إلى بنكيران ليمليان عليه رغبة صاحب الجلالة.
بعد يومين من لقاء بنكيران بمستشاري الملك، قامت وزارة الخارجية بتوجيه “قصف” عنيف ضد حميد شباط حليف بنكيران، بناء على تصريح له، ليس بالجديد بل هو من صلب “عقيدة” و ادبيات حزب الاستقلال بخصوص موريطانيا،  وهكذا خرجت وزارة الخارجية التي على رأسها الوزير “الفعفاع” و”مول الاتحاد السوفياتي” في بيان لها موّجه ضد شباط الى درجة تخوينه واعتباره “يساير نفس منطق أعداء الوحدة الترابية للمملكة، الذين يناوئون عودتها المشروعة إلى أسرتها المؤسساتية الإفريقية”، طبعا هذا ليس كلام “الفعفاع” فهو مجرد كركوز، بل إن هذه الوزارة هي من بين الوزرات المحفوظة للقصر الملكي، هو من يصنع سياستها وهو من يتحكم فيها من الالف إلى الياء، واستغلالها لهذا التصريح لتوجيه تقريع حاد إلى حليف بنكيران، جاء في اطار التكامل مع مهمة مستشاري الملك الذين أوفدهما إلى بنكيران…
بنكيران الذي ظل ما يقارب 3 اشهر وهو يصلي لعل قلب المخزن يلين، في يومين تلقى صفعتين مدويتين؛ ارسال الملك لمستشاريه اليه بعد أن قال قبل أيام قليلة لسنا في حاجة إلى التدخل الملكي في موضوع مشاورات تشكيل الحكومة، ثم قصف وتخوين حليفه شباط من طرف وزارة الخارجية التي يتحكم فيها القصر الملكي، مما يعني أن كل “صلاة” بنكيران لأجل أن يلين قلب المخزن ذهبت أدراج الرياح، وأصبحت الليونة المشتهاة من طرف بنكيران قسوة غليظة تنزل عليه كسطل ماء بارد في أول ايام “الليالي” حيث ذروة برودة فصل الشتاء.
في تقديري إن هذه “القسوة” المخزنية في التعامل مع بنكيران وحلفائه (لنتذكر بلاغ الديوان الملكي ضد بنعبد الله) هي تحصيل حاصل لبنية المخزن غير القابلة للاصلاح، المخزن لا يريد شريكا له ولو من درجة “حمّال”، وكل محاولات استجداء الليونة وقليل من الاصلاح تتحول لديه إلى العجرفة والتطاووس، لا يُنصت المخزن إلاّ للثبات والوقوف أمامه بقامات منتصبة غير مستعدة للانحناء، لذلك فأكبر “بلوكاج” هو الذي مارسه ويمارسه بنكيران في حق الوطن، مارسه حين وقف ضد تطلعات الشعب المغربي سنة 2011، حين هاجم الحراك الشعبي بالوكالة عن المخزن، ومازال يمارس “البلوكاج” حين يتخلى عن الاحتكام الى الدستور ويتنازل عن صلاحياته، رغبة في رضى المخزن، وسعيا وراء اصلاح هذا المخزن ولو بمقدار قطرة كل خمس سنوات، ومع ذلك هذه القطرة يرفضها المخزن، اذ لا يُخفى على أحد أن تغول المخزن وتحكمه في كل شيء أضحى أكثر قوة وحضورا من انتخابات 2011، وأن عدد وزارات السيادة ارتفع بكثير عما كان عليه الامر مع حكومة عبد الرحمان اليوسفي، حينها كانت وزارات السيادة محصورة في ثلاث وزارات اساسية هي: الخارجية والداخلية والاوقاف، الان مع بنكيران انضافت وزارات أخرى إلى حظيرة الوزارات المحفوظة للقصر الملكي مثل وزارتي التعليم والفلاحة والصيد البحري… عوض أن يتقدم الاصلاح بمقدار قطرات بنكيران، صار يرتكس وينتكص خطوات بمقدار خطى الاستبداد…
يضحكني بعض المحللين وبعض “مناضلي اصلاح المخزن” حينما يتمحّلون ويجتهدون ليثبتوا أن المخزن هو سبب البلوكاج الحكومي، ويا له من اكتشاف؟؟ يبدو لي هؤلاء كما لو أنهم أفرطوا في السذاجة، وقتلتهم النية الحسنة، فراحوا يتمنّون أن يُقدم المخزن على شيء غير “البلوكاج”، إنهم كمن يأمل من اللص المحترف، أن يمتهن شيئاً اخر غير السرقة والنشل.
إن “البلوكاج” هي سمة محايثة للفعل السياسي المخزني، لا يمكن للمخزن أن يفعل شيئا غير البحث عن تعطيل أي عمل يُشتم منه عدم الخضوع التام لأعراف “دار المخزن”، الكل يعرف ويُجمع على أن المخزن عمل كل ما بوسعه لكي لا يتبوأ البيجيدي صدارة الانتخابات، لكنه فشل في ذلك، وارتفعت مقاعد هذا الحزب رغم انف رغبة المخزن، اذن من تحصيل الحاصل أن يعمل على تعطيل كل ما يمكن تعطيله، ولا يحتاج الامر إلى كثير من التمحل على طريقة تفسير الماء بالماء، لنخلص الى نتيجة كسولة تقول: المخزن هو سبب هذا البلوكاج الحكومي.
المشكل هو كيف تعامل بنكيران مع هذا البلوكاج، الذي يبدو لحد الان هو أن بنكيران يرفض الاحتكام إلى الدستور، ويرفض ممارسة صلاحيته كأمين عام حزب تصدر حزبه الانتخابات، بنكيران شغله الشاغل أن ينال رضى المخزن، لذلك عطّل كل شيء حتى يتلقى اشارة الرضى من المخزن، اما الدستور واصوات الناخبين فلا قيمة لها أمام الاستجداء.
بسبب منطق الاستجداء السياسي هذا، رفض بنكيران تشكيل الحكومة مع لشكر في أول أيام مشاوراته، وبرّر ذلك بكونه يريد حزب الاحرار معه في الحكومة، لم يقل أنه لا يثق في لشكر، ولم يقل أن الاغلبية مع الكتلة هي أغلبية هشة، بل قال رفضتُ اقتراح تشكيل الحكومة لأنني أرغب بدخول الاحرار معنا في الحكومة، ولتبرير هذه الرغبة قال أن حزب الاحرار له “خصوصية سياسية” وأنه يتوفر على كفاءات تحتاج اليهم القطاعات الحكومية، ويا له من تبرير سخيف!!
طيب لنتعامل بطيبوبة قاتلة مع مبررات بنكيران في سعيه وراء دخول الاحرار الى حكومته، ولنتساءل عن هذه الكفاءات النادرة التي يتوفر عليها الاحرار حسب شهادة بنكيران، ألم تكن في الحزب سنة 2011 عندما شكل حكومته الاولى؟ أم أن كفاءة هؤلاء طارئة تشكلت منذ ايام بفعل فاعل؟ ألم يسبق لبنكيران أن وصف الامين العام لهذا الحزب قبل سنوات قليله أنه هو وحزبه “ما فيدهومش”؟ الان أصبح حزبا يضمّ كفاءات نادرة لا توجد عند البيجيدي ولا الاستقلال ولا الاتحاد؟ كيف، وأين، ومتى؟ ثم أليس حديث بنكيران عن وجود كفاءات نوعية في هذا الحزب هو تبخيس لكفاءات حزبه وكفاءات احزاب الاستقلال والاتحاد والتقدم والاشتراكية؟ لماذا يكذب بنكيران على الشعب المغربي إلى درجة تقديم شهادة زور لصالح أشخاص يعرف الكل أنهم مجرد تكنقراط، أغلبهم تلاحقهم قضايا فساد عطنة تزكم الانوف، الكفاءة الوحيدة التي لاعضاء هذه الحزب هي أنهم أشخاص مقربون من القصر الملكي، ورئيس الحزب أخنوش هو صديق الملك “الذي يتناول في منزل افطار رمضان”، بمعنى أخر فإن الكفاءة التي تحدث عنها بنكيران هي قربهم من المخزن، وعملهم على حماية الفساد المالي والسياسي.
لجأ بنكيران إلى استجداء رضى المخزن قبل أن ينظر الى ما يقوله النص الدستوري، ولجأ الى تقديم شهادة زور في حق أشخاص شهد ويشهد الكل بكونهم رموز الفساد، رغبة منه في تشكيل حكومة مفرملة بهذه الكفاءات المزيفة، ومع كل هذا هناك من يردّد أن بنكيران رجل الاصلاح الذي يواجه المخزن، بنكيران يا سادة هو رجل المخزن الذي يميّع الاصلاح، ويمدّ المخزن بأسباب التغول والتجبر، اللعبة الان منحصرة في دائرة ضيقة، هذا التأخر في تشكيل الحكومة سببه الاساس هو وضعية حزب الاستقلال في الحكومة، ولا علاقة له ب”النضال من الداخل” لتوسيع هامش الديموقراطية ولا إلى الرغبة في احترام اصوات الناخبين.
من عادة المخزن أن يؤدب أبناءه الذين يعصون اوامره شرّ تأديب، ولسنا بحاجة إلى ايراد أمثلة على ذلك، والسبب الاساس لهذا البلوكاج الحكومي هو رغبة المخزن في تأديب حميد شباط الذي وصل إلى رئاسة حزبه بفضل بركته، شباط الذي نسي او تناسيى هذا وتسبب في افشال خطة المخزن للانقلاب على بنكيران، حينما حملها الياس العماري ساخنة ووضعها على طاولة لشكر وشباط، كانت الخطة تقتضي اعلان رئيس مجلس النواب بأغلبية مشكلة من البام والاحرار والاتحاد والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري قبل تشكيل الحكومة من بنكيران، حينها رفض شباط هذه الامر وأفشل خطة المخزن للانقلاب ب”طريقة ديموقراطية” على نتائج صناديق الاقتراع، من يومها صار شباط مطلوبا حيا او ميتا ليلقى العقاب الشديد، وهذا الامر لن يحصل دون استبعاده من الحكومة، فالخطوة الاولى لانزال العقاب الشديد عليه هي ابعاده عن الحكومة، وهذا الامر أحرج بنكيران، كيف سيسمح في حليف أنقذ رأسه، في المقابل يبدو أن المخزن حاليا لا شرط له إلاّ ابعاد شباط من الحكومة، لانه يعرف أن التشكيلة الوزارية للحكومة المقبلة لن تكون مثار رفض من الملك، لأن بنكيران لن يقدم لائحة الحكومة إلا حسب ما تشتهيه الرغبة الملكية، المشكل ليس في طبيعة تشكيل الحكومة والاحزاب المشكلة لها، المشكل هو رغبة المخزن في ابعاد شباط واحراج بنكيران أمام تقديم رأس حليفه الى المقصلة، لذلك جاء اخنوش الى بنكيران بطلب واحد هو ابعاد حزب الاستقلال من الحكومة، أخنوش ليس معنيا باسماء الاحزاب ولا عدد الوزارات التي ستُمنح لحزب ولا طبيعة القطاعات، كل هذا محسوم وفق الارادة الملكية، الاهم من كل هذا هو طرد الاستقلال من الحكومة…لذلك فهذا الصراع المفتعل ليس اساسه احترام المؤسسات ولا احترام الدستور ولا احترام ارادة الناخبين، بل هو “صراع احراج وانتقام” هو صراع يكرّس استبداد المخزن وتغوله، واستبعاد حزب الاستقلال من الحكومة سيكون بمثابة صفعة قاسية من المخزن موجهة إلى بنكيران قبل شباط، ستكون جزاءً لتوسله واستجدائه غير المحدودين..
أمام بنكيران ألف سبيل للخروج من هذا المأزق، لكنه لم ولن يتّبع إلا سبيل استجداء رضى القصر الملكي والرهان على ليونة المخزن، ولم ولن يراهن على الدستور ولا على الاصوات التي منحته إياه صناديق الاقتراع، بنكيران هو بنكيران، من عرفه فقد عرفه، وما على أنصار “الاصلاح البنكيراني” إلا أن يرضعوا قطرات الاصلاح وتوسيع هامش الديموقراطية من ثدي الاستجداء والسعي وراء الرضى المخزني، لعلّ..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.