أوباش ونفتخر..ولسنا “يهود التاريخ” المغربي

محمد المساوي

منذ شهر ونصف يعرف إقليم الحسيمة احتجاجات شعبية واسعة، احتجاجات بدأت يوم مقتل محسن فكري مطحونا في شاحنة الازبال، من حينها وجماهير الريف تصدح بأصواتها في سماء الحسيمة تطالب بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ومحاسبة الجلادين ووضع حد لسياسة الافلات من العقاب..
كل من تتبع هذه الاحتجاجات لابد له أن يسجل النضج الكبير الذي يتصف به المحتجون، كما لا بد أن يلاحظ الابداع في نسج الاشكال الاحتجاجية التعبيرية، كل هذا وسط حضور جماهيري كبير، إلى درجة أنه خلال مواعيد الاشكال النضالية تصبح المدينة شبه خالية وأغلب المحلات التجارية والمقاهي مقفلة وكأنها في اضراب عام، الكل حاضر في “ساحة الشهداء” للمشاركة في الشكل الاحتجاجي، مما يعني أن ما يحدث في الحسيمة هو حراك شعبي حقيقي ربما لم يشهد المغرب المعاصر مثيل له… فأن ينزل فلاح من الجبل، يترك فلاحته وحقله، ويقطع ازيد من 30 كلمترا ليحضر الى ساحة الشهداء وسط المدينة ويشارك في الاحتجاج، هو امر ليس بالهين ويستدعي الوقوف عنده مليا لفهم طبيعة الحراك.
في مسيرة يوم السبت 10 دجنبر، التي كانت تخليدا للذكرى الاربعينية لمحسن فكري، وللتأكيد على استمرارية الاحتجاج الشعبي الى حين تحقيق مطالبه، نزل ما يفوق 120 الف متظاهر الى ساحة الشهداء بالمدينة، حيث توافدت ساكنة المناطق التابعة للاقليم، هناك من قطع ازيد من 30 كلمتر مشيا على الاقدام ليحضر المسيرة، كما قام سائقو سيارات الاجرة بدعم المسيرة عبر نقل المحتجين مجانا من القرى والبلدات المجاورة، فمنذ صباح يوم المسيرة أصبحت الحسيمة قبلة لكل أبناء الاقليم من مختلف القرى ومن مختلف المهن والفئات الاجتماعية والعمرية..

من قيض له المشاركة في احدى مسيرات الحراك الشعبي بالحسيمة سيشعر لا محال انه وسط فعل نضالي يملؤه الحماس والعنفوان والتضامن والايخاء، الكل يعمل من أجل هدف واحد، والكل يساهم في تنظيم  وانجاح الشكل الاحتجاجي، كل هذا في غياب اي تنظيمات سياسية او حزبية، بل هو تنظيم وتآزر وتضامن نابع من وجدان الشعب…

رغم كل هذا الرقي في الاحتجاج، ورغم شعبيته الكبيرة، إلا أن الدولة لحد الان تتعامل باللامبالاة وبمنطق “كم من حاجة قضيناها بتركها”، هكذا يبدو هذا النظام في تعامله مع الحراك الشعبي بالريف، لكن في قرارة نفسه هو يبول في سرواله خوفا وخشية من تمدد هذا الحراك بمثل هذا النضج وهذا الرقي وخشية من استمراره، لان تمدد الحراك واستمراره يعني نهاية المخزن، لذلك حاول ويحاول جاهدا الان أن يبدو كما لو انه غير معني وغير مبال بما يحدث في الريف، ويحاول ان يرسم الامر كما لو انه احتجاج عادي أعقب حادثا مأساويا، وأن الاحتجاج سينتهي ريثما تزول تبعات الحادث المأساوي، لكن من جهة أخرى يترقب الوضع ويده على قلبه من أن لا يسير الحراك كما تشتهي غرائزه.

المخزن الذي يتظاهر بلامبالاته تجاه ما يحدث في الريف هو في الحقيقة يرتعد مما يحدث هناك، ويحاول مداراة خوفه ووجله بلامبالاته المصطنعة، المخزن غير المبالي هو نفسه من يسعى بكل الوسائل والطرق لحصار الحراك وممارسة التعتيم عليه، و أوعز للامناء العامين للاحزاب المخزنية ولرئيس حكومة تصريف الاعمال ووزرائها أن يتجنبوا الحديث عن حراك الحسيمة، كما منع خادمه الياس العماري “رئيس الجهة” من زيارة الاقليم أو الحديث عن الحراك مخافة أن يكب الزيت على النار ويورط الدولة في متاهات هي تتجنبها لحد الان بصمتها المريب.

لم يكتف المخزن بتوجيه خدامه فقط، بل حاول ويحاول توجيه حتى الاعلام المستقيل (وليس المستقل) من أجل أن يكف عن مواكبته للحراك أو على الأقل أن يخفف المتابعة إلى أدنى درجاتها، وهو ما امتثلت له أغلب وسائل الاعلام الورقية والالكترونية، اذ في البداية كانت جملة من وسائل الاعلام تتنقل الى الحسيمة لنقل اخبار الحراك ومتابعته، اما الان فتكتفي بالمتابعة من بعيد، وإن كان لابد من مادة خبرية حتى لا يُفتضح امر هذا التوجيه، يقوم الزملاء بصياغة مادة خبرية محايدة جدا، مرفقة بصور يقتنصونها من الفايسبوك ويعيدون نشرها على مواقعهم دون اذن من أصحابها. ولعل متابعة بسيطة لهذه المواقع والجرائد؛ كيف كانت تتعامل مع حراك الحسيمة في البداية وكيف صارت تتعامل معه الان، كفيلة بأن تفضح هذا التوجيه، ففي مسيرة الاربعينية يوم السبت غابت جل الصحف والمواقع الالكترونية الوطنية، رغم أن الحدث مهم، ورغم أن المسيرة كانت حاشدة، ورغم أن اقليم الحسيمة لمدة اسبوع وهو يعيش على ايقاع تعبئة شعبية يومية في الاسواق والقرى والمداشر، كل هذه الامور لم تشفع لهذه المواقع والجرائد أن توفد ولا صحفيا واحدا ليقوم بتغطية الحدث؟؟ وشرح الواضحات من المفضحات..
الغريب أيضا أن أغلب نشطاء الفايسبوك حذوا نفس الحذو، ربما عن سوء تقدير أو عن غياب معطيات او بسبب غموض ما، لكن في كل الاحوال غياب التفاعل مع اخبار مسيرة شعبية من هذا الحجم، وحراك شعبي من هذا المستوى، يطرح أكثر من علامة استفهام، نشطاء الفايس الذين يعرف أغلبهم النملة من أين تبول، لا يعقل أن يغيب عنهم زخم هذا الحراك وقوته، اكيد ثمة شيء يدفع الى هذا الحذر والتريث في التفاعل.
بغير هذا وذاك، لابد من قول الحقيقة بكل جرأة، بعيدا عن لغة الخشب والتبرير، في المغرب يُنظر الى الريف والريفين كما لو أنهم يهود التاريخ المغربي، هم دائما متهمون قبل الادانة، دائما تلاحقهم الاسئلة المستفزة؛ ان خرجوا للاحتجاج سيطرح عليهم سؤال: ما خلفية هذا الاحتجاج؟ كلما خرجوا للاحتجاج عليهم ان يثبتوا وطنيتهم والا فهم العوبة في اياد خارجية؟ إلى درجة كما لو أن الريفيين ملزمون ان يرددوا كل صباح: “نحن مغاربة وطنيون” حتى تصفى سريرتهم، وبغير هذا فالسؤال الغبي: من وراء الاحتجاج؟ سيظل يلاحقهم مهما قالوا ومهما رفعوا من شعارات واضحة جدا جدا..
يا سادة، نحتج لأننا ضقنا ذرعا بممارسات هذا النظام، نحتج ضد الحكرة التي يمارسها علينا وعلى كل ابناء الشعب المغربي، نحتج لأننا نريد الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، نحتج لأننا نريد الخير لوطننا، و لا نريده رهينة في ايدي المستبدين يقررون كما يشاؤون مستقبله..
لسنا انفصالين، نحن احرار نريد ان نكون احرارا، وايدينا ممدودة لكل احرار الوطن من أجل مستقبلنا جميعا.
لن تهزمنا تسويفات المخزن، لن يحبطنا التعتيم الاعلامي المستهجن، ولن يثبطنا عدم التفاعل الواجب من اخواننا في الوطن..
سيستمر حراك الريف بقوة اكبر، وبتنظيم ووعي ومسؤولية، وسيصرّ على تحقيق كل المطالب العادلة والمشروعة…وستبدي لكم الايام ما كنتم تجهلون….ويأتيكم بالاخبار من لم تزودون

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.